أدب وفنون

الباسم

في آخر غارة على الحيّ قبل شهر، سقطت قذيفة في شارعنا، شظاياها وصلت إلى سطح بيت “أبو الطير”، وكعادته عند كلّ غارة، كان يدخل القفصَ يغنّي لطيوره، ويتركها تأكلُ الحبّ عن رأسه. تهشّم القفص وتناثرت أشلاءُ الطيور ودماؤها في المكان، ولكنّنا لم نجده، ولم نجد رأسهُ. قال أحد الجيران ببساطة: لقد طارت رأسهُ من زمان، منذ هجر الناس، وراح يُكلّم الطيور.

وكان يُكلّمني أيضًا، أو (لأكن أكثر دقّة) كُنت لا أكفُّ عن الكلام، ويكتفي هو بالقليل القليل منه. أصعد إليه في سطح البناية، وهو داخل القفص يطعم طيوره وينظّف فضلاتها، أحييهِ ونادرًا ما يلتفت إليّ. أسألهُ عن أحواله ثمّ أسردُ له يوميّات الخوف والحرب.

“المهم ألاّ يتسرّب الخوف إلى قلبكَ وروحكَ، إنّه وحش الحرب وشيطانها، متى تسلّل إلى روحك سيصير أنتَ، سيصيرُ عينيكَ”. قالها بثقة وهو يحملُ الفضلات خارج القفص.

لكنّي كنتُ أخافُ، أخافُ من الزقاق الخالي، والحانة الكئيبة، والوجوه الرّاحلة، وقهقهة الموت. أخافُ من وجهي في المرآة وهو يفقدُ ملامحهُ.

حينما كنتُ أحصي أمامه أصدقائي الرّاحلين، يقول: تعال نحصِ من بقيَ، أحدّثه عن رعبي من الحواجز الأمنيّة يُقاطعني: دعك من حواجز العسكر، واقفز فوق حاجز الخوف. أحدّثهُ عن آخر حبيبة يقول: تكذب، ما زلتُ أرى الأولى في عينيكَ.

كان ذلك قبل أن أصنع قناعًا باسمًا لوجهي.

بعد ثلاثة أعوام من الحرب؛ اكتشفتُ ذات صباح أنّ الابتسامة التي جاد بها وجهي في سنواتي السابقة لم تعد تُطاوعني، تتمدّد عضلات الوجه وتنفرجُ الشفتان، ولكنّها لا تشبه الابتسامة في شيء، ملمحٌ هجين لا يتناسبُ مع نظرة الرعب العالقة بين جفنيّ. كنتُ أقرب إلى المهرّج الباكي.

صنعتُ لي قناعًا جلديًّا رقيقًا يُشبهني، تتوسّطه ابتسامة دائمة، قناعًا جامدًا وابتسامة لا تنتهي. و”أبو الطير” الذي نادرًا ما يلتفت إليّ كان يقول، قبل أن أبدأ الكلام: لا تكلّمني من وراء قناع، يا رجل! تبدو مضحكًا وبائسًا.

أتعرّى أمامهُ من القناع، ويصيرُ هو مرآتي التي تبصقُ في وجه الحرب، وتسخر من الخوف. أغنّي وأرقصُ وأقفُ عند الحافة فاتحًا ذراعيّ متهيّئًا للتحليق. أنظرُ إلى الخراب وأضحكُ ملء عينيّ. التفتَ إليّ وقال: يومًا ما سنحلّق فوق هذا الخراب، فقط لو قطعنا رأس الخوف.

نزلتُ درج بيته عائدًا إلى بيتي. لا أعرف من أيّ زاوية تسلّل الخوف، وتبعني حتى كاد يلمسُ كتفي، وضعتُ القناع الباسم، ثمّ ألتفتُّ فجأة نحوهُ. تسمّر مكانه ثمّ اختفى في عتمة الزّقاق.

لم أفكّر كثيرًا في مصير “أبو الطير”، هي الأيّام ذاتها ينقصها مجنون آخر، هي الحرب ذاتها تلعق بقايا جراحها والناس يمشون بملامح لا يعرفونها. رحتُ أرمّم القفص لحاجة لم أعرفها إلى أن عادت الغارات ترجم الحيّ.

وضعتُ القناعَ الباسمَ على وجهي، وصعدتُ إلى السطح حاملًا قنينة العرق المغشوش. تسلّلتُ إلى القفص، حيثُ لا أنيس سوى حمامة نجت من المجزرة، تنقرُ رأسي تارة، وتشرب من كأس العرق تارّة أخرى.

– تعالي أيّتها الحمامة الوحيدة أحكِ لك أخبار آخر حبيبة. رفرفت بجناحيها، وطارت بعيدًا حتى اختفت. نزعتُ القناع وحلّقتُ وراءها فوق الخراب. بطرف عيني، لمحتُ “أبو الطير” أسفل العمارة، يحملُ رأسًا مقطوعًا ويرتفعُ عن الأرض.

مقالات ذات صلة

إغلاق