ترجمات

نيو يورك تايمز: ما المشكلة مع التطرف

المتظاهرون يستقبلون موكب الرئيس ترامب، في شاطئ ويست بالم، يوم الأحد. توم برينر/ نيويورك تايمز

كانت هناك لحظة فارقة، في مجموعة التركيز التي عقدها المستشار فرانك لونتز مؤخرًا، مع مجموعة من أنصار روي مور (رئيس القضاء الأسبق، ومرشح عن الحزب الجمهوري)، في ولاية أوباما. إذ قال أحد الناخبين: إنَّ النساء اللواتي يتهمنَّ مور بالتحرش، يُدفع لهنَّ للقيام بذلك. سأل لونتز المجموعةَ عن عدد الناس الذين يعتقدون أنَّ النساء يتقاضين أجورًا مقابل ذلك. ارتفعت مجموعةٌ من الأيادي، وعلَت أصوات تدعي بأنَّ كلَّ النساء تقبض.
تمسك تلك اللحظة بالتطرف في اللحظة الراهنة، وهو فقدان الإيمان في المؤسسات، والاتجاه إلى رؤية المؤامرات الفاسدة، والرغبة في التغيير الكلي، والاعتقاد بأنَّه في بعض الأحيان، كان يمكنك أنْ توظفَ أكبر هزةٍ متاحة للحصول على ذلك التغيير، ويجب أنْ تكون على استعدادٍ لتجاهل الحقائق لتبرير ذلك.
هذا الموقف واضحٌ من جانب اليمين المؤيد ترامب، ولكنّه أيضًا من جانب اليسار. إنَّ الناشطين اليقظين، والاشتراكيين الغاضبين من ساندرز (سيناتور ومرشح من الحزب الديمقراطي للرئاسة في انتخابات 2016 من ولاية فيرمونت)، والمحاربين من أجل العدالة الاجتماعية، هم على يقينٍ من أنَّ النظام مزوّر، وأنَّ الحكام فاسدون، وأنَّ الهيكل يجب أنْ يُدمّر. كون اليسار المعتدل يخسر في جميع أنحاء أوروبا، فهذا من المحتمل أنْ يحدث هنا.
نحن نعيش في عصر التطرف.
لكنَّ التطرف اليوم أمرٌّ غير عاديّ. أولًا، لدينا غضبٌ متطرف من دون سياساتٍ متطرفة. ومن الناحية الأسلوبية، والثقافية، تصرخ الشعبوية الترامبية: “فجروه”، و”جففوا المستنقع”. ولكنَّ السياسات الفعلية التي يتبعها دونالد ترامب بالفعل هي سياساتٌ نفعية عادية. يتحدث المتطرفون اليساريون كثيرًا ضد أنظمة القمع، والظلم المؤسسيّ، لكنَّهم لا يشبهون المتطرفين في الثلاثينيات أو الستينيات.
لا يريد متطرفو اليوم أنْ يغيروا بالكامل النظام القائم على الكفاءة (ميريتوقراطية)، التي تخلق نظام الطبقات من عدم مساواةٍ موروثة. إنّهم لا يريدون وقف الابتكار التقني، الذي يشرد الملايين من العمال. وليس لديهم خططٌ لنقيض النزعة الفردية، التي تُذرّرُ/ تفتت المجتمع، وتدمره. قد يكون المحافظة على الحد الأدنى للأجور 15 دولارًا شأنًا يساريًا، ولكنه ليس من الماركسية اللينينية.
ثانيًا، تطرف اليوم هو في جلّه متعلقٌ بالهوية أكثر من المشكلات الاجتماعية. إنَّ كلًا من الشعبويين الترامبيين، والمحاربين من أجل العدالة الاجتماعية، هم أكثر عزمًا على إدانة الناس الذين يكرهونهم، أكثر من معالجة المشكلات الملموسة التي تواجههم. فكر في التعليق الغاضب الذي تسمعه خلال يومٍ معين. كيف يتصدى للمشكلة التي نواجهها، وكيف يندّد بالناس الذين لا نحبهم؟
ثالثًا، تطرف اليوم يفترض أنَّ الحرب هي حالةٌ متأصلة بالأشياء. التأثير الرئيس هنا هو شاول ألينسكي (1909- 1972، كاتب أميركي، ومهندس تنظيم الجماعات). كتابه 1971، (قواعد للمتطرفين)، كان دائمًا يحظى بشعبيةٍ من جانب اليسار، ومؤخرًا أصبح مألوفًا من (حزب الشاي) Tea Party، واليمين البديل (جماعات يمينية متطرفة في الولايات المتحدة). واحدةٌ من أولى مطالباته الكبرى هي أنَّ الحياة دارُ حربٍ. إنَّها معركةٌ حتمية بين الشعب والنخب، بين الأغنياء والفقراء، أو -كما قد يضيف ورثته- بين البيض والسود، بين الجمهوريين والديمقراطيين، بين الإسلام والغرب. وإذا كنت لا ترغب في التعامل مع الحياة كحربٍ لا نهاية لها، فأنتَ ديوثٌ.
رابعًا، هناك ضعفٌ في النظر إلى الطبيعة البشرية. يتصرف متطرفو اليوم وفق افتراضٍ: “لأنّ الحياة معركة، فإنَّ الأمانةَ الأخلاقية هي في الغالب احتيالٌ زائف”. وللحصول على أي شيء تمَّ، على المتطرفين أنْ يقوموا بأعمال الشرِّ لأسباب جيدة. يقول ألينسكي: “إنّ أخلاقيات الوسائل، والغايات هي أن الغاية، في الحرب، تبرر أيَّ وسيلةٍ تقريبًا”. وأضاف: “يجب أنْ تكون المعايير الأخلاقية مرنةً لتتوسع مع العصر”.
“يتم تحديد الأخلاقيات من قبل من يخسر أو يربح”. هذه الجملة كان يمكن أنْ تكون محكيةً من قبل دونالد ترامب، ولكنها حقيقةً هي من كتابة شاول ألينسكي.
ماذا يمكننا أن نستنتج بخصوص المتطرفين؟
حسنًا، من الخطأ أنَّ نعتبر مؤسساتنا فاسدةً أساسًا، وأنَّ معظم مشكلاتنا الاجتماعية، والاقتصادية الفعلية هي المنتجات الثانوية السيئة للاتجاهات الجيدة أساسًا.
لقد خلق الابتكار التكنولوجي معجزاتٍ، ولكنّه شرّد ملايين العمال. كما أطلق النظام القائم على الكفاءة العنان للمواهب، ولكنه وسّع من عدم المساواة. والهجرة جعلت من أميركا أكثر ديناميكيةً، ولكنها أضعفت التماسك الوطني. كما أنَّ العولمة انتشلت المليارات من الفقر، لكنها ضربت بقسوة الطبقات العاملة في الدول المتقدمة.
ما نحتاج إليه هو إصلاح مؤسساتنا الأساسية لمعالجة المنتجات الثانوية السيئة، وليس تفكيكها.
هذا النوع من التجديد يعني فعل عكس كلَّ ما يفعله المتطرفون اليساريون، واليمينيون. وهذا يعني الاعتقاد بأنَّ الحياة يمكن أنْ تكون أكثر تشابهًا مع محاورةٍ من الحرب، إذا بدأت من خلال بدء محادثة. وهذا يعني التركيز بشكلٍ جماعي على المشكلات، وليس تدمير الناس بشكلٍ حاسم. كما يعني الاعتقاد بأنَّ الحب هو قوةٌ حقيقية في الشؤون الإنسانية، وأنَّك يمكن أنْ تكون فعالًا، من خلال مناشدة أفضل ملائكة الطبيعة البشرية.
إنَّ التطرف اليوم هو روحيٌّ بالجوهر، حتى لو كان يُطبق في المجال السياسي. إنَّه مدفوع باحتياج المتطرفين للحصول على هويةٍ أكثر أمنًا، وكسب الاحترام والكرامة، وإعطاء الحياة شعورًا بالهدف، والمعنى.
يبحث المتطرفون عن المعنى وعن الهدف بالطريقة الخاطئة، وفي المكان الخطأ، وهم يدمرون عالمنا السياسي في هذه العملية. ولكن عليك أنْ تميزهم بأمرٍ واحد: هم متقدمون على البقية منا؛ فهم منظمون، وواثقون بالنفس، وعدوانيون، ويحركون التاريخ. بينما نحن البقية مشتتون، ومرتبكون ومتراجعون.

اسم المقالة الأصلي What’s Wrong With Radicalism
الكاتب دافيد بروكس، David Brooks
مكان النشر وتاريخه نيو يورك تايمز، The New York Times، 11/12
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2017/12/11/opinion/radicalism-trump-moore.html
عدد الكلمات 783
ترجمة أحمد عيشة

مقالات ذات صلة

إغلاق