مقالات الرأي

نهاية معارضة غير شجاعة

 

انتهى مؤتمر (جنيف 8) بصفعةٍ قويةٍ على وجه المعارضة، التي صمدت ثلاثة أسابيع مذلة في جنيف، بانتظار “غودو” الذي لن يأتي، لأن وفد النظام، حين وصل بشروطه وتوقيته المتقطع؛ رفض الحوار المباشر مع وفد المعارضة.

ليس ذلك فحسب، بل رفض وفد النظام أيضًا الحوار في سلتي الدستور والانتخابات، اللتين فرضتهما موسكو سابقًا، ضمن مشروع دي ميستورا للسلال الأربع، وهو ما كانت تعترض عليه المعارضة السورية معتبرة أن الأولوية للانتقال السياسي، حتى رحيل رأس النظام أصبح مسألة تفاوضية غير مقبولة أصلًا، من منصة موسكو التي قبلت الانضواء ضمن الوفد التفاوضي الجديد!

ما بين (جنيف 1) و(جنيف 8)، جرت الكثير من المياه تحت جسر الحل السياسي، أهمها تأكيد عطالة الإدارة الأميركية، بخصوص الوضع في سورية، حتى بعدما خرق النظام خطوطه الحمراء باستخدام الكيماوي، في 21 آب/ أغسطس من عام 2013، وليس عبثًا أن يصف السفير الأميركي السابق روبرت فورد، تعامُل وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف مع وزير خارجية أميركا حينها جون كيري، بـ “المهين”، مع أنهما اتفقا على “جمع الطرفين المتصارعين في سورية على طاولة الحوار”، في (جنيف 2).

عطالة الإدارة الأميركية كان يقابلها استراتيجية واضحة المعالم من قبل الكرملين، وضوح في الأهداف، وبراغماتية مطلقة في آليات تحقيقها، حتى إنها كانت حريصة على تعطيل قرار بريطاني في مجلس الأمن، يعبر فقط “عن القلق” إزاء الوضع في مدينة القصير التي احتلتها ميليشيات (حزب الله) عام 2013.

بعد معركة القصير ومجزرة الكيماوي؛ أصبح وجود (حزب الله) مشروعًا في سورية باعتراف الطرفين، كما تدفق العديد من الميليشيات الشيعية الأخرى من العراق وأفغانستان وإيران، برعاية وتخطيط “الحرس الثوري الإيراني”، لمساندته، قبل أن يبدأ التدخل الروسي المباشر عسكريا في 30 أيلول/ سبتمبر 2015، وبشكل خاص عبر الطيران الذي استطاع تحويل مجرى كل المعارك اللاحقة لصالح النظام، وإلحاق الهزيمة بالمعارضة، مقابل تسوّد كل من “داعش” و”جبهة النصرة” و”أحرار الشام” و”جيش الاسلام”، في المشهد العسكري المعارض، لصالح انحسار بقايا “فصائل الجيش الحر”، نتيجة انقطاع أي دعم عنها، ولاحقًا اكتشفت الإدارة الأميركية أنها لن تجد فصيلًا عسكريًا، لا يذهب باتجاهات إسلامية، إلا “قوات سورية الديمقراطية” التي أنشأها (تنظيم P.Y.D) الكردي؛ وبذلك انتهت المرحلة الأولى من الثورة السورية التي انطلقت من أجل الحرية والكرامة، وأصبحت صراعًا من أجل استعادة “الخلافة” التي انتهت مع سقوط الدولة العثمانية، لكن أوهام الخلافة الجديدة باتت من طراز دموي ومتخلف، لا علاقة لها بالإسلام أو بأي دين.

هذا المد الإسلامي المتطرف ساعد النظام وحلفاءه الروس والإيرانيين على فرض مقولاتهم الأولى التي جرى تعميمها، منذ بداية الأحداث في سورية، بأنها مجرد عمليات إرهابية وليست ثورة، وأصبح مطلوبًا أكثر من أي وقت مضى تطويع باقي الفصائل الإسلامية، خارج إطار “داعش” و”النصرة”.

الحرب على الإرهاب من جهة، وسياسة الهدن والمصالحات التي باشرها الروس من جهة ثانية، أكسبت الروس صدقية لدى بعض الفصائل التي دفعت ثمن العطالة الأميركية السابقة، وهذا شجع الروس على الانتقال باتجاه مسار جديد للتفاوض باسم آستانا، حيث دُعيت هذه الفصائل لأول مرة إلى طاولة المفاوضات مع النظام، في العاصمة الكازاخستية بتاريخ 23 – 24 كانون الثاني/ يناير 2017، مقابل استبعاد المعارضة السياسية ممثلة بالائتلاف أو الهيئة العليا للتفاوض، اللذين أُخذ بعضهم لاحقًا كمستشارين فقط، بالرغم من رفضهم المشاركة بداية، وانتقل الدور التفاوضي بشكل كامل إلى ممثلي الفصائل العسكرية، من دون أن يكونوا مؤهلين للعب هذا الدور.

كان يجري الحديث سابقًا عن ضرورة إخضاع الفصائل العسكرية للمرجعية السياسية، فإذا بنا أمام وضع مقلوب، إذ أصبحت الحالة السياسية تابعة للفصائل العسكرية التي امتلكت زمام القرار، واستطاعت أن تنجز في جولات آستانا المتسارعة بعض الخطوات المهمة، وبشكل خاص في الجولة السادسة من المؤتمر التي أقرت “اتفاق خفض التصعيد”، في إدلب.

بالمقابل، كان على الفصائل أن تمنح إقرارًا ضمنيًا بأن كلًا من روسيا وإيران وتركيا هم الأطراف الضامنة لتنفيذ هذه الاتفاقات التي جرى من خلالها تقليم أظفار أغلب الفصائل العسكرية، حتى إنه لا أحد الآن يستطيع أن يقف في وجه الحصار والقصف والتدمير الذي تتعرض له بلدات الغوطة تحديدًا، ومن قبل طيران النظام والطيران الروسي الضامن لاتفاق خفض التصعيد الذي وقع بخصوص الغوطة. فيما الحديث عن اتفاقية خفض التصعيد، في إدلب مسألة أكثر دراماتيكية، بعد أن دخلت تركيا إلى هذه المحافظة، برعاية “هيئة تحرير الشام” أو “النصرة” سابقًا!

لذلك يعتقد كثيرون أن نهاية مؤتمر (جنيف 8) هي نهاية فعلية لمسار جنيف التفاوضي، دون أن يصدر نعي رسمي به، وذلك بانتظار ما قد يتمخض عنه المسار الجديد في “سوتشي”، برعاية وشروط “القيصر”.

من الواضح أن كل أطراف المعارضة التي رفضت بداية المشاركة في هذا المؤتمر، تسعى الآن لاستخدام صياغات جديدة لتبرير حضورها، مع أن المشكلة ليست في حضور المؤتمر بذاته، بل في تقليص دور المعارضة السياسية، بكل مكوناتها السياسية والعسكرية ومنصاتها ومستقليها، لتصبح ملحقة بالمكونات الوطنية. وسرعان ما اكتشفنا أن هذه الوطنية يقصد بها الطوائف والمذاهب والمكونات العرقية ما قبل الدولة المدني، التي دعيت باسم “الشعوب” في سورية، وبالتالي فإن المعارضة السياسية ممثلةً بالهيئة العليا للتفاوض، بالرغم من هشاشتها، ومن كل التحسينات التي أجريت عليها في (الرياض 2)، فقدَت أيّ وظيفة حقيقة.

وأنقرة التي لعبت دورًا حاسمًا في إنجاح مؤتمر آستانا، تبادر الآن للتمهيد إلى سوتشي القادم، باستضافتها نحو 250 شخصية، يمثلون أكثر من 90 عشيرة وقبيلة سورية، في “مؤتمر العشائر والقبائل السورية” في مدينة إسطنبول التركية، تحت شعار “العشائر والقبائل السورية الضامن لوحدة النسيج السوري الوطني.. ودعم الاستقرار.. وعودة المهجرين”، وقد حضر الائتلاف كضيف على هذا المؤتمر الذي يتوخى منه تحقيق الأهداف التي عجز هو، بصفته التعبير السياسي عن قوى الثورة والمعارضة، عن تحقيقها!

هذا المسار سيؤكد أن تلك المعارضة السورية ككل، والتي بدأت مسيرتها بالارتهان لدول وداعمين ومشاريع غير وطنية أصلًا، لن تُفلح في تبني مشروع وطني حقيقي، وهي ستكون الخاسر الأكبر وفق المعادلات الجديدة، دون أن يعني هذا التقليل من إمكانات أي شخص في هذه المعارضة، التي لم تتحل بالشجاعة لرفض إملاءات الداعمين، والتحرك ضمن مساحة مشروع وطني حقيقي، وهذا سينعكس سلبًا بكل تأكيد على مسار الثورة السورية الذي توقف منذ مدة ليست قصيرة، لكن بكل الأحوال، لن يكون النظام قادرًا على الاستمرار، بعد كل الخراب والموت الذي زرعه في مساحة سورية، وسيكون على داعميه اليوم الاستغناء عنه، في أقرب فرصة، حفاظًا على مصالحهم، وسيكون على كل السوريين اجتراح وخلق معارضة جديدة، وفق مشروع وطني ومبدأ المواطنة وحقوق الإنسان، يتجاوز حدود المسميات المعروفة. وإن نهاية هذه المعارضة غير الشجاعة لا تعني، بحال من الأحوال، نهايةَ الثورة أو نهاية السوريين.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق