أدب وفنون

حلم حمار أبي حامد

 

ذات صباح، نهض أبو حامد من نومه مبكرًا، وارتدى ثياب العمل، ثم تمنطق بالحزام الجلدي، فوق المعطف العسكري الذي آل إليه من تركة والده الذي كان يعمل جنديًا في الجيش الفرنسي، وانتعل حذاءه المطاطي، وتوجّه إلى الباكية. لإخراج حماره “أبو عرقوب”، كي يتوجه به إلى البيدر لنقل التبن إلى التبان.

وحين دخل إلى الباكية، وجد حماره “أبو عرقوب” في حالة من الجذل، وضحكته تملأ شدقيه، وهو يقول: اللهم اجعله خيرًا، وأخذ ينظر إلى صاحبه نظرة خاصة؛ استقرأ أبو حامد من خلالها رغبة حماره في مشاركته فرحته.

استغرب أبو حامد موقف حماره، وسأل نفسه: ما الذي جعل “أبو عرقوب” في هذه الحالة من الفرح. ولم يمنعه ذلك من سؤاله:

– خير إن شاء الله “أبو عرقوب”! أرجو أن تكون كل أيامك فرحًا وسرورًا. فقال أبو عرقوب:

– منام.. منام، يا صاحبي. ليتني لم أستيقظ وأعود حمارًا، كما أنا الآن. فقال له أبو حامد:

– والله، يا “أبو عرقوب”، أنا لست مختصًا بتفسير الأحلام، ولكن لا بأس أن أسمع ماذا رأيت في منامك، لعلني أستطيع أن أتنبأ لك بتفسير. قال “أبو عرقوب”:

– رأيت يا صاحبي، في ما يرى النائم، أنني أصبحت ملكًا على جميع الحيوانات.

– ملك مرة واحدة؟! قل قائد شرطة، قائد جيش، وزيرًا. فقال “أبو عرقوب”:

– أنا لا أمزح. لقد اجتمعت الحيوانات، وأرادت أن تنتخب من بينها ملكًا يدير شؤونها، ويكون له الكلمة الفصل في ما يحدث، من خلافات وانتهاكات بين سائر الحيوانات. وطلبوا ممن يجد في نفسه الكفاءة أن يرشح نفسه لمنصب الملك؛ فرشحت نفسي، بتشجيع من جماعة الحمير، فيما نزل منافسًا لي حصان عن جماعة الخيول الأصيلة. وبغل عن فصيلة الخيول العاملة. وبعير عن الجمال.

وطلبوا من كل واحد منا أن يتحدث عن نفسه، وعن برنامجه في إدارة شؤون الحكم، وأهليته لمنصب الملك. فبدأ الحصان يعرض ما لديه من ملكات القيادة، فقال:

– أنا كحيلان، أنتمي إلى تلك الفصيلة العريقة من الخيول. وأمثّل الإباء والشموخ العربي. لا أخذل فارسي في المعارك الطاحنة، أصول وأجول بلا خوف أو وجل. سأعمل جاهدًا لتعزيز مكانة الحيوانات في المجتمع الإنساني؛ فتعالت الأصوات تردد:

– اجلس لا نحتاج إلى عنتريات.

فتقدّم البغل قائلًا:

– أنا بغل من أصول فرنسية عريقة. أحمل ما لا يستطيع أحد من الحيوانات أن يحمله. أسير في الجبال والوديان والطرقات الوعرة، بلا كلل ولا ملل، أنقل السلاح إلى القطعات العسكرية المتمركزة في المرتفعات لصد هجمات العدو، والدفاع عن الوطن. سأحاول جاهدًا أن أرفع الظلم الذي يلحق بالحيوانات جميعًا من بني الإنسان. فصاح الجميع:

– اجلس ما أنت إلا ابن حمار.

فتقدم الجمل، وقال أنا جمل من جِمال نجد وتلك الديار. يلقبونني بسفينة الصحراء، أصبر على الجوع والعطش أيامًا عديدة. أقتات بما أجده أمامي من أشواك ونباتات لا تقربها الحيوانات الأخرى. أحمل على ظهري الظعائن دون ضجر. سأحاول جاهدًا أن أنتقم ممن يجرؤ على أذية حيوان. فصاح الجميع:

– اجلس، لو امتلكت شيئًا من العزة؛ لما رضيت أن يقودك حمار.

وتابع أبو عرقوب قائلًا:

– فلما سمعت هذه الإهانات التي تنال من الحمير. ارتديت فروة سبع، كنت قد أحضرتها لهذا الغرض، وخرجت إلى الناس دون أن أنبس بكلمة، مخافة أن يفتضح أمري.

فوقف الثور الذي كان يتولّى عملية الاقتراع، وقال:

– قد سمعتم مقالة كل من المرشحين، فمن يمنح صوته للحصان؟

فارتفعت أيد قليلة. ثم عرض البغل والجمل على التصويت؛ فلم يكن نصيبهما أحسن من نصيب الحصان. أخيرًا عرضني بثوبي الأسدي قائلًا: لم يبق سوى السبع. فمن يمنح صوته للسبع. فارتفعت الأيدي، تعلن تتويجي ملكًا على جميع الحيوانات. ونهضت من نومي، قبل أن يكتشف أمري أحد.

فضحك أبو حامد وقال لحماره: يعز عليّ أن تعود حمارًا، يا “أبو عرقوب”.

مقالات ذات صلة

إغلاق