مقالات الرأي

القدس و”اللا أنا” في الأرخبيل السوري

 

تُظهر ردة الفعل الشعبية، في مختلف الدول العربية والإسلامية، تجاه قضية القدس وعروبتها، عمقَ وتجذر العروبة والإسلام، كمحددين للهوية الفطرية الراسخة في اللاوعي الجمعي لأبناء الأمتين العربية والإسلامية، والذي تشكل القضية الفلسطينية فرصةً لإثبات وجودها، في ظل الاغتراب أو “اللاأنا” التي يعيشها المواطن ضمن حدوده الوطنية، وهذا تجلى في تظاهر السوريين في المناطق المحررة تحت القصف، نصرة للقدس، ومثلهم المصريون من غير الإخوان في مصر والإخوان في تركيا، وطرابلس السنية، والضاحية الجنوبية الشيعية في لبنان، وكذلك إسطنبول العثمانية وطهران الصفوية، والموقف الموحد بين شيخ الأزهر وبابا الأقباط، في رفض استقبال نائب الرئيس الأميركي، فالقدس كعادتها هي البوتقة الوحيدة التي تصهر التناقضات العربية، وتجمع الطوائف والأيديولوجيات في خندق واحد، وفيها تبرز الهوية النقية ببعدها التاريخي الجامع، وبمفهوم الأمة الذي يظهر في الأزمات. فالمقدسي أمام الكاميرا لا يناشد الغزاوي أو ابن رام الله، وإنما يناشد العرب والمسلمين، وكذلك السوري الخارج من تحت الأنقاض يناشد أبناء الأمتين العربية والإسلامية، وليس ابن الوطن بالمفهوم الجغرافي الضيق. فمن أين نشأ هذا اللا أنا الوطني لصالح الأنا العربية والإسلامية؟ تلك الظاهرة التي جعلت القضايا الوطنية محل انقسام بين أبناء الوطن الواحد، كما هو الحال في الثورة السورية، حيث يُقتل أطفال في الغوطة بالكيماوي ولا تهتز لهم دمشق بل تكمل حياتها بطبيعية، ويُدمّر نصف حلب الشرقي فيما يحتفل الغربي منها بالانتصار، في حين تذبح المنطقة الشرقية بصمت، فهم أقل تحضرًا من أن يتعاطف معهم بقية السوريين، ولو على الـ (فيسبوك)، أما الساحل فيرفع على مداخله لافتات هنا “عرين الأسد” ذاك الحيوان اللاحم الذي يفترس السوريين، والأكراد يرون في مأساة باقي السوريين فرصة تاريخية لقطع أي رابط ديني أو اجتماعي مع جوارهم في سبيل القضية.

ما تمرّ به سورية من أحداث، إنما يثبت هشاشة الهوية الوطنية الجامعة لأبنائها، كأساس في بناء الدولة، وأن سورية هي أرخبيل يضم مجموعة من الجزر الطائفية والعرقية والمناطقية، وليست دولة، والحالة السورية ليست فريدة من نوعها في العالم العربي، فقد سبقتها تجارب عديدة، كتجربة الحرب في لبنان والعراق، الأمر الذي يثبت أن الدولة العربية الحديثة -منذ تشكلها بعد سقوط الخلافة العثمانية في العقد الثاني من القرن الماضي- ما تزال هلامية الشكل، وغير واضحة المعالم بنظر أبنائها؛ ما يؤدي إلى تحول أي اضطراب سياسي إلى حرب أهلية تقوض وجود الدولة نفسها، كما في التجارب التي ذكرناها، وهذا مرده إلى عدم وجود هوية وطنية مكرسة لدى مواطني الدولة، بحيث يؤمن بها الفرد ويعليها على أي هوية فردية قد ينتمي إليها، سواء أكانت عرقية أو مذهبية أو عشائرية أو مناطقية، وهذا ما يدفع الأفراد في الدول العربية بصفة عامة، إلى اللجوء إلى انتماءات بدائية ضيقة كالتي ذكرناها، والتي يسميها علم الاجتماع “انتماءات ما قبل الدولة”، وبعيدًا عن توسيع مفهوم الهوية إلى حد يُفقدها كثيرًا أو قليلًا من سماتها الوطنية المميزة لها عن غيرها، وبعيدًا كذلك عن تضييقه ليتقلص في خصوصيات محددة، قد تتحكم في إبرازها وتوجيهها دوافعُ عنصرية سياسية في الغالب، فإن مفهومها النابع بموضوعية وذاتية، مما يكون به الشيء هو هو، يعني الماهية والتشخيص والكيان والانتماء، وتحقق هذا الانتماء في الوعي واللاوعي، لإثبات إرادة الوجود والحياة، سواء بالنسبة إلى الفرد أو الجماعة. فالهوية هي الأنا الدالة على الوجود، وغيابها هو “اللا أنا” أو الاغتراب، بالمعنى الفلسفي بأشكاله الثلاث السياسي والديني والاجتماعي، وهو مفهوم خطير جدًا، تُفسر على أساسه جُلّ مشكلاتنا، بدءًا من فشل التجربة الديمقراطية وتراجع التنمية، وصولًا إلى ظاهرة الإرهاب التي تعدّ أكثر مظاهر الاغتراب الديني وضوحًا، فعلى المستوى السياسي والديني، اتخذ الاغتراب شكل الصراع، منذ تشكل الدولة الوطنية وإلى اليوم، بين نخبة “تغريبية” حداثية تريد القطيعة مع التاريخ حتى ببعده الهوياتي منفصلة عن الشارع ومتحالفة مع الديكتاتورية ضد الآخر الإسلامي، ولا تعنيها الديمقراطية، بقدر ما يعنيها بقاء ورقة التوت العلمانية التي تستر عورات النظام السياسي، وعلى الجانب الآخر إسلاميون لم يستوعبوا بعد صدمة سقوط الخلافة، وما زالوا يحلمون بعودتها، وبين هذا وذاك انقسم الشارع -هوياتيًا- بين من يقدس الدولة الوطنية، ويرفض أن يكون لها هوية دينية أو قومية، وبين من يرفض مفهوم الدولة بذاته ولا يعترف إلا بالأمة، وبينهما نشأ تيار وسط هو التيار القومي الذي طرح فكرة الدولة الأمة، ولكنه فشل، ليس بسبب خلل فكري -كما يعتقد متطرفو التيارين السابقين- وإنما بسبب قفز العسكر على الحكم باسم القومية، وفشل النظام السياسي، بغض النظر عن الأيديولوجيا التي يتبناها، أما الاغتراب الاجتماعي فهو المفسر لحالة من نسمّيهم اليوم “بالرماديين”، وهم من يشعرون، نتيجة هذا الاغتراب، بالإحباط وضعف الإرادة واليأس الموصل إلى التخلي عن الحرية، على حد تعبير الوجوديين: سارتر وهيدجر.

أما عن غياب البعد الوطني، لصالح مفهوم الأمة في تصور المواطن السوري للهوية، فهو عائد إلى عاملين: الأول هو أن مفهوم الوطن بمعناه الجغرافي في دولة مثل سورية غائب، بوصفه ركنًا أساسًا في تشكل الهوية، فالنطاق الجغرافي للوطن متغير وليس ثابتًا، فمنذ مئة عام كنا جزءًا من إمبراطورية عاصمتها إسطنبول، ثم دولة عربية عاصمتها الحجاز، ثم سورية الكبرى، ثم سورية الصغرى، ومنها خسرنا اللواء وبعده الجولان، فكيف يصلح مفهوم متغير لتشكيل هوية ثابتة؟ ثم إن الدولة الوطنية، بحدودها الجغرافية الحالية، هي نتاج تقسيم استعماري يرفضه المواطن بحدوده، ليصبح وجوده وجودًا مثاليًا في مكان مطلق خارج الحدود السياسية، والثاني هو فشل النظام السياسي في الدولة الوطنية، فسعي النظام لتثبيت أركانه جعله يضخم دوره، حتى بات أكبر من الدولة، وأصبحَت الدولة منتجًا للنظام، وليس النظام من منتجاتها؛ فأضحى من الطبيعي أن تصبح سورية هي “سوريا الأسد”، حيث تعجز المؤسسات، بسبب طبيعتها الطائفية والزبائنية، عن استيعاب المجتمع، وتحصل القطيعة بين الدولة والمجتمع، وهذا ما يفسر صعوبة التمييز بين الدولة والنظام، في ذهن شريحة كبيرة من الثوار السوريين، والميل الشعبي لتخريب الممتلكات العامة، بناء على الفهم الراسخ بأنها للنظام وليست للدولة.

إذًا فالمشكلة الجوهرية في بناء الهوية الوطنية، هي النظام السياسي، وليس التركيب العرقي والطائفي للمجتمع، أو الشوفينية العربية والدين الإسلامي، كما يظهر في التصورات الصبيانية لبعض أطياف المعارضة السورية، والحل يبدأ بعد الإطاحة بالنظام، عبر مأسسة السلطة، ضمن إطار دستوري ينتج مؤسسات ثابتة ومستقرة تحقق السلم القيمي في المجتمع، وتضبط علاقة المجتمع بالدولة، وتسمح لها بالتغلغل في جسد المجتمع، لتغدو صورة جامعة له، بحيث يصبح المجتمع وصفًا معبرًا عن الدولة، وبعد ذلك، وفقط بعد ذلك، يصبح إجراء تغيير في المفهوم الهوياتي لدى المواطن مقبولًا وآمنًا، من دون التأثير في وحدة الدولة وسلمها المجتمعي، أما في الوقت الحالي، وفي ظل طروحات المؤسسات الممثلة للمعارضة السورية، والتي تُحاول تغييب البعدين العربي والإسلامي لسورية، قبل عملية البناء المؤسساتي، ومحاولة طبع الدولة بطابعها الائتلافي ذي الفشل العريق منذ 1979 في تجربة التجمع الوطني الديمقراطي، وصولًا إلى الائتلاف الوطني والهيئة العليا للتفاوض، فهو لعب بالنار، ومقدمة لتوسيع الشرخ الهوياتي في المجتمع بشكل لن يجعل سورية مهددة بالانزلاق إلى أحد نموذجي المحاصصة العرقية والطائفية في العراق ولبنان، وإنما بالتقسيم، كون هذين النموذجين ناضجين بشكل يجعل لهما القدرة على استقطاب التنوع السوري باتجاه تشكيل دويلات طائفية أو قومية، وطبيعة التوزيع الديموغرافي السوري تسهل هذا الموضوع.

مقالات ذات صلة

إغلاق