مقالات الرأي

عن التكتيك السياسي الروسي في سورية

 

يجب أن نعترف بأن الروس والنظام الأسدي ومعهم نظام الملالي نجحوا في تأليف مسرحيات طويلة متشعبة، هدفها إغراق المعارضة وقوى الثورة، في تفاصيل لا تنتهي إلا بسحب روح الثورة من أي نشاط معارض، ولم يكتفوا بذلك، بل ارتكبوا جرائم غير مسبوقة بحق الشعب السوري.

منذ الأيام الأولى للثورة، حاول النظام خداع المعارضة، بعقد مؤتمر للحوار في فندق (صحارى) في دمشق، وحشد له شخصيات برئاسة السيد فاروق الشرع نائب رئيس الجمهورية آنذاك، وكنا نعرف أنه خداع وتمثيل، فالنظام لم يؤمن في أي يوم بالحوار والمؤتمرات الوطنية، وقد اعتاد فن المخادعة والإيهام، ذلك أنه نظام أمني بامتياز، تشهد له المنطقة والعالم. كيف لا وقد نفّذ النظام أعمال إجرامية ضد كل شعوب المنطقة، في لبنان والأردن والعراق وتركيا، واستفادت من خدمات أجهزته الأمنية المجرمة وكالة الاستخبارات الأميركية، عندما أرسلوا لهم محتجزين من (غوانتنامو) للتحقيق معهم، وكذلك تبادل المعلومات بين مخابرات البلدين، باعتراف كبير مهندسي القتل والإجرام في سورية: علي مملوك، حيث كشفت وثائق (ويكيليكس) عن تعاون المخابرات السورية مع تنظيم القاعدة الإرهابي.

بقي نظام الأسد متمسكًا بأجندته، بالرغم من اهتزازه عدة مرات على أيدي فصائل الجيش الحر والفصائل الأخرى، وبالطبع لم يكن ثبات الدعاية الأسدية نابعًا من فراغ، بل من قناعته بأن معركته هي معركة وجود أو زوال، ولأن عصابة الأسد تعرف أن موسكو وطهران لن تتخليا عنها، مهما حصل، وأن الدول الغربية ومعها “إسرائيل” لا تريد إسقاطها، أو هي غير معنية كثيرًا بمستقبل سورية وشعبها الطامح للحرية.

في حديثي مع صديق قديم، كان معارضًا للنظام قبل الثورة، ثم أصبح عدوًا للثورة، لأسباب طائفية، قال لي بالحرف: “بوتين لن يتخلى عن بشار الأسد، ولو قامت حرب عالمية ثالثة”. أعتقد أن الصديق القديم عرف السبب الجوهري، لدعم بوتين وخامنئي للأسد، فالموضوع محسوم استراتيجيًا، والمعركة كانت كونية، ضخت فيها دول كبرى وإقليمية مليارات الدولارات، لإجهاض ثورة الشعب السوري التي نادت بالحرية والكرامة، وذلك ليس مستغربًا، إذا تذكّرنا كلمات الرئيس الروسي بوتين، التي كرّرها مرارًا في لقاءاته مع نظرائه الأميركيين والأوروبيين: “سورية هي المعركة الأخيرة في الصراع العالمي الممتد لعدة عقود، بين الدول العلمانية والإسلامية السنية، التي بدأت أولًا في أفغانستان مع طالبان، ثم انتقلت إلى الشيشان، ومزقت عددًا من الدول العربية إربًا”. وترى روسيا نفسها في قلب تحالف دولي أوراسي يجابه الثورات وتغيير الأنظمة.

كان الموقف الدولي دائمًا يصب في بوتقة واحدة، وهي إثبات عدم أهلية وكفاءة المعارضة في مجابهة النظام، لتشتتها وعدم وجود البديل للنظام، وكأن 23 مليون سوري لا يصلحون إلا أن يكونوا عبيدًا لعصابة الأسد. وأن بشار الأسد الذليل الوضيع لا بديل عنه، بينما جلب كل حثالات الأرض للدفاع عن كرسيه، وهو القائل إنّ السوري ليس من يحمل جواز سفر سوري، بل هو كل من يدافع عن سورية (ويقصد عصابة الأسد)، وهو الذي أهانه بوتين ووزير دفاعه، أربع مرات، بشكل سافر جعلنا نخجل منه كسوريين، لأن بوتين وجه إهانة لبشار على الأرض السورية، وتعامل معه كمحتل وكسيد في سورية.

بالرغم من أن ظاهرة المؤتمرات السورية كانت أمرًا مفهومًا، لأن السوريين استيقظوا من سباتهم الذي امتد 50 عامًا، ولكن لكل شيء حدود. واليوم نحتاج إلى مؤتمر سوري وطني ثوري جامع، يوحد صفوف النخب والقوى السورية الوطنية والثورية، بعيدًا عن روح التعصب الديني والقومي والطائفي، وبعيدًا عن روح التبعية للعائلة أو الطائفة أو الدين أو القومية أو الخارج. ونريد مؤتمرًا وطنيًا جامعًا، يعزز موقف الهيئة العليا للتفاوض (بالرغم من وجود ألغام داخلها). مؤتمرًا يؤكد على دولة المواطنة والديمقراطية والتعددية، واحترام مكونات الشعب السوري، والاعتراف بحقوقها كاملة ضمن الدولة السورية الواحدة أرضًا وشعبًا.

أما المنصات التي ساهمت في إنشائها روسيا، فكانت وفق تكتيك سياسي روسي أسدي معروف. وقد تكونت من شخصيات وقوى معارضة (بنسب متفاوتة)، ولم تكن راضية عن مواقف المجلس الوطني والائتلاف وما تبعه، وكانت مدعومة من قوى خارجية، بعضها يدعم النظام بقوة. والحقيقة أن الروس ونظام الأسد اخترعوا منصات كثيرة جدًا، أبرزها منصة موسكو التي حاولوا جر شخصيات وهيئات معارضة معروفة إلى موسكو ولم يفلحوا، بل اقتصرت هذه المنصة على قدري جميل، ومن استطاع تجنيده لهذه المهمة. أما منصة القاهرة، فأغلب أعضائها وطنيون ومعارضون، لهم رؤيتهم المتميزة بعض الشيء في معارضة النظام، كتأكيدهم على الحل السياسي، وعلى إعطاء دور لروسيا ومصر وغيرها.

حاول الروس تلميع صورة رندا قسيس، واستقبلوها في الخارجية الروسية كضيف مرحب به، وحاولوا تضخيم مكانتها ودورها في المعارضة، من خلال لقاءات أستانا الكوميدية. ثم تبع ذلك منصات بيروت برئاسة الطائفي لؤي حسين الذي يعلن ليل نهار عداءَه للثورة ودفاعه عن عصابة الأسد. ومنصة حميميم التي جمع الروس فيها، بمساعدة المخابرات السورية، أشكالًا وألوانًا من الأشخاص السوريين من مختلف الشرائح الاجتماعية، للإيحاء بأنهم يمثلون منصة موازية لمنصة القاهرة وموسكو، ومنافسة للهيئة العليا المشكلة في الرياض. ولا ننسى ترحيب الخارجية الروسية بأحمد الجربا وتياره السياسي (تيار الغد السوري). إلى درجة أن الوزير لافروف وصفه بـ “الشخصية الوطنية”، ولم يتشرف أحد غيره من السوريين بهذا اللقب. والأمر لا يحتاج إلى تعليق.

كذلك قامت روسيا بتأسيس مركز المصالحة الوطنية في حميميم، وأعطته أهمية، وأنشأت له موقعًا إعلاميًا باللغة العربية، وحاولت إبراز دوره الإنساني، من خلال تقديم الإغاثات للمناطق الخاضعة لنفوذ الأسد، وكذلك من خلال المصالحات بين المناطق والبلدات، وأغلبها وهمي ودعائي، ويتم بمساعدة المخابرات السورية.

استغلت روسيا موضوع الأقليات والقوميات في سورية؛ فلعبت بالورقة الكردية حتى اليوم، علمًا أنها صمتت عن انتهاك حقوق الكرد في الدول المجاورة، وحاولت اللعب بورقة الأقليات وخصوصًا المسيحيون، علمًا أننا لا نعتبر المسيحيين أقلية بل هم ديانة متجذرة في الأرض السورية، والسريان شعب أصيل في سورية.

وأخيرًا استطاعت روسيا، نتيجة متغيرات إقليمية وتراجع في مواقف الدول العربية، أن تفرض منصة موسكو في مؤتمر الرياض، التي أصبحت كالجرثومة داخل جسم المعارضة. وبرأيي، إن قبول هذه المنصة داخل المعارضة هو خطأ كبير، لأنه يُشكّل اعترافًا بأن أشخاصًا مثل قدري جميل من المعروفين بصلاتهم مع النظام والتبعية للخارج هم من المعارضة، مع استمراره في التغريد عكس تيار المعارضة الوطنية.

وقد نجح الروس في تنظيم مفاوضات أستانا المتعددة مع الفصائل العسكرية بمساعدة تركية، مستغلين التقارب الروسي التركي المعروف بحيثياته. ومن نتائج أستانا، اتفاقات إنشاء مناطق خفض التصعيد، التي لم يلتزم بها النظام، ولم تلتزم به الدولتان الضامنتان: روسيا وإيران، حتى اليوم.

يبدو أن الهدف من اختراع أغلب المنصات هو تمييع الدور الحقيقي الوطني للمعارضة، وإضعافها وإجبارها على تقديم تنازلات، وبخاصة في موضوع رحيل الأسد، وأن الدور السياسي الروسي المتعنت لصالح نظام الأسد الإجرامي، والداعم له بكل الأشكال المعروفة وغير المسبوقة قد نجح في بعض المجالات، ولكنه لم ينجح في الموضوع الرئيس، وهو تخلي المعارضة عن رحيل الأسد وعصابته ورحيل إيران وأذيالها.

أما مفاوضات (جنيف 1 – 8)، فلم تكن مفاوضات بين السوريين، وإنما كانت لقاءات بين ممثل الأمم المتحدة ووفدي المعارضة والنظام، كل على حدة. ولم تعط المفاوضات نتائج تذكر حتى اليوم، فالنظام أصلًا غير مؤمن بها، ولن يقبل بمفاوضات مباشرة إلا إذا فرضت عليه من قبل روسيا وأميركا.

والذي ساهم في تمييع مفاوضات جنيف هو النظام وإيران وروسيا. وتصريحات المسؤولين الروس، ومثلهم النظام، تثبت أنهم يريدون من المعارضة التخلي عن كل مطالب الثورة، والعودة إلى حضن المجرم بشار الأسد، بعد تقديم حجم هائل من التضحيات والشهداء قدمها الشعب السوري، وبعد دمار هائل وتشريد غير مسبوق للملايين وجرائم ضد الإنسانية، ارتكبها النظام الأسدي ضد الشعب السوري.

إن التكتيك الروسي الأسدي يسعى لترويض المعارضة شيئًا فشيئًا، وإيصالها إلى حد التخلي عن الثوابت، وتوقيع اتفاقية في جنيف يجري بموجبها تشكيل حكومة وحدة وطنية بقيادة المجرم بشار الأسد. ويهدف التكتيك إلى منح بعض المعارضين مناصب وهمية، في حكومة أسدية قد يغري البعض.

لكن ما زالت المعارضة الوطنية ترفض هذا التكتيك الروسي، شكلًا ومضمونًا، حيث أظهر وفد التفاوض في جولة (جنيف 8) ثباتًا على الموقف الوطني، وكان أداؤه جيدًا، وبخاصة من الناحية الإعلامية. وواجبنا الوطني الاستمرار في دعمه ما دام ملتزمًا بثوابت الثورة.

وألفت انتباه السوريين إلى ما يلي:

– أدعو وفد المعارضة المسلحة إلى عدم الذهاب إلى أستانا القادم، لأنه يريد جر الفصائل المسلحة لمناقشة موضوع سياسي خطير، وهو مؤتمر سوتشي المزعوم، والذي يهدف -كما أُعلن بصراحة- إلى مناقشة موضوع الدستور والانتخابات وتشكيل لجان للموضوعين. أما الحل السياسي والمرحلة الانتقالية وهيئة الحكم الانتقالي، فلا مكان لها في الأجندة الروسية والأسدية. أي أن روسيا تريد الالتفاف على اتفاقية (جنيف 1) وقرار مجلس الأمن 2254 التي تقضي بتشكيل هيئة حكم انتقالي، والبدء بمرحلة انتقالية تفضي إلى دستور وانتخابات. روسيا تريد تغيير الرعاية الدولية للملف السوري إلى رعاية روسية، وبدعم إيراني تركي ورضا عربي، وتذمّر غربي، وضوء أخضر أميركي يؤدي إلى إعادة تلميع صورة الأسد وإركاع السوريين وكسر إرادتهم ومنعهم من نيل الحرية وتحقيق الكرامة وبناء سورية الحرة الديمقراطية.

– وأدعو الهيئة العليا للتفاوض، بعدم المشاركة في مؤتمر سوتشي، فأجندته مكتوبة وقرارته جاهزة ولجانه مشكلة، ومن يذهب؛ فسيكون شاهد زور على التخلي عن ثوابت أساسية للشعب السوري، أقرّها المجتمع الدولي بما فيه روسيا نفسها، ووافق عليها النظام.

– وأقول إن على الإدارة الأميركية أن تمتلك ذرة أخلاق، وتمارس دورًا في تحقيق السلام والأمن والعدالة في سورية. وفي مقدمة كل الإجراءات، ترحيل المجرم بشار الأسد وعصابته وتقديمهم للعدالة ومنح الشعب السوري، بكافة مكوناته، تقرير مصيرهم بنفسهم، كما تؤكد القرارات الدولية، بما فيها روسيا.

– لا يمكن للسوريين أن يُقرروا مصيرهم في ظل عصابة مجرمة وفي ظل احتلال. ومن يرد الاستقرار لسورية؛ فعليه أن يزيل أسباب القتل والتشريد والاعتقال الوحشي والتدمير ووجود الإرهاب في سورية، وأهم سبب هو وجود نظام الأسد، بتاريخه الإرهابي الأسود ضد الشعب السوري وشعوب المنطقة.

– وأخيرًا أقول إن روسيا تخطئ كثيرًا؛ إذا ظنت أن بقاء الأسد سيحقق مصالحها المستقبلية في سورية، بل بالعكس إن بقاء الأسد ونظامه سيكون مصدرًا لاستمرار معارضة النظام بكافة الأصعدة، وقد تستمر الفوضى وتطال مصالح الروس قبل غيرهم، وكذلك سيكون بؤرة مستمرة لولادة مجموعات إرهابية جديدة. والعراق خير مثال على ذلك.

مقالات ذات صلة

إغلاق