تحقيقات وتقارير سياسية

رسالة بوتين: كش ملك مات الوزير

 

الدوامة السورية، الثورة السورية، المسألة السورية، الحرب في سورية وعلى سورية، كانت -وما زالت إلى اليوم- مركزَ الحدث العالمي، وربما نقطة تحوله القريب، سواء على وقع طبول حرب كبرى تنذر بها كل مؤشرات العالم الدولية، أو الاكتفاء بهذا الحد من دمار مدنها وتهجير سكانها، والبحث في زواريب السياسة الدولية عن بضع حلول وسط، لا تسمن ولا تغني من جوع، بعد أن استباحت ثورةَ شعبها، ثورة الحرية والكرامة، كلُّ صنوف القتل والتهجير الممنهج وأدواته الرخيصة؛ حتى باتت سورية وثورتها محط بازار سياسي مقيت وموت يومي.

السؤال الذي يقض مضجع السوريين، كل السوريين: ما الذي أوصل الثورة إلى هذا الدرك من التخبط؟ سؤال يُلقي بكل عبئه وثقله على مجريات اللحظة ومفارقاتها، ليبقى لسان حال الثورة في وجدانها يردد: هل كان بالإمكان أفضل مما كان؟ وما الممكن اليوم في ظل مشهد دولي غامض وشديد التعقيد؟

حيث يبدو مسار جنيف، منذ جنيف الرابع، وسلال دي ميستورا الأربعة الواهية، مسارًا لا يشي بالنهاية، وبالخروج من دوامة التفاصيل والتعويم والمماطلة؛ فقد باتت موقعة “سوتشي” حركة قد تبدو ممرًا إجباريًا لا مناص منه، بعد الإيعاز الروسي الواضح بشكل جلي، في أواخر (جنيف 8)، بمماطلة ثم بتهديدٍ بانسحاب وفد النظام مع استمرار مطالبة المعارضة له بقبول التفاوض المباشر. حركة إجبارية من طراز ألعاب الشطرنج التي لا مناص منها، تحت عنوان “كش ملك.. مات الوزير”، فإما أن تقبل المعارضة بسحب شروط ملف الانتقال السياسي وهيئة الحكم من التداول الدولي بمرجعية (جنيف 1)، أو تعود إلى سوتشي، ومؤتمر الشعوب السورية، وما يخطط له الروس لاحقًا! والخطير في هذه الحركة ليس كلام دي ميستورا، بأن المعارضة قد فقدت أي تأييد دولي لها، بل هو أن تقبل المعارضة بالتفاوض دون أساسه كأولى الأولويات وضرورة تحقيق الانتقال السياسي، وتشكيل هيئة الحكم الانتقالي، تحت مظلة الأمم المتحدة ومرجعيتها الدولية؛ ما يعني التخلي عن كل مبادئ وثوابت الثورة، تحت مظلة وموافقة أممية دولية.

إن إجادة الروس وتفوقهم في حركات الشطرنج لا تعني أبدًا تفوقهم في مواقع الثورات وآمالها، ولا في مسارات التحول والنقلات الإجبارية التي مرت على الثورة، وحيث يبدو المشهد اليوم في حضيضه، وفي أكثر الممرات صعوبة وخطورة، لكنه لن يكون نقطة النهاية أبدًا. فالممرات الإجبارية التي مرّت بها الثورة، من سلميتها إلى عسكرتها إلى دخول أنياب التطرف على حسابها، حملته الثورة عبئًا ثقيلًا ومشت به في مواجهة كل أعدائها، كل من لا يريد لسورية أن تكون دولة مواطنة فعلية، حتى أولئك المنتظرون مكسبًا سلطويًا ضيقًا من خلفها، على حسابها وحساب تضحيات أهلها التي لا يمكن وصفها سوى بكارثة القرن.

فالمراهنون على جنيف ومخرجاته لم يروا قط مواقع التبدل العسكرية التي فعلتها روسيا في مسار الثورة، ولم يدركوا إلى اليوم أن معركة التفاوض هي حصيلة معركة عسكرية بالنتيجة، وأن لا معركة يمكن كسبها إلا بالتخطيط الجيد والمتماسك، وسد ثغرات وعيوب نقصها الواقعية على أرض الواقع، لا مجرد فرضها الذهني، وهذا ما لم يفعله الكثير من السياسيين اليوم على مستوى مؤسسات الثورة والمعارضة.

التفاوض وكسب المعركة السياسية ليس حلمًا ورديًا ولا رغبة، إنه واقع بالمعطيات والممكنات، وكلُّ من راهن على جنيف، وهو موافق على مسار أستانا وسياسة القضم المتوالية لمواقع الثورة، لم يرَ إلى اليوم معنى العمل العسكري الكثيف لروسيا، وأيضًا لم ير المعنى السياسي لعمل الدبلوماسية الروسية. فالروسبوتينة لم تسع لكسب معركة عسكرية وحسب في سورية، بل لكسب معركة دولية سياسية من خلالها، ومفادها تثبيت وضعها الدولي، من بوابة سورية والمنطقة، كقطب عالمي ثانٍ، وإلا؛ ما أشاعت وتشيع مرات أنها مع مرجعية الأمم المتحدة في الحل السوري، ولكن بطريقتها وبعنجهية بوتين، لا عبر جنيف أو غيره.

ربما، يفترض بنا نقد وتفنيد مسار الثورة سياسيًا وعسكريًا، وهذا حق قد نستعجل بالحكم فيه، لكن ضرورة الضرورات اليوم هي إدراك أن روسيا لن تقبل بأي حل سوري-سوري فقط، بل برضا وإجماع دولي وعبر الأمم المتحدة، بعد أن تكون قد مهدت كل السبل لتمرير وجودها الدولي كقوة كبرى. فهل تقبل بهذا معادلة النظام العالمي، وعلى رأسه أميركا؟ وما الممكن اليوم أمام المعارضة السورية؟ هذه ليست أسئلة صعبة، بل تكاد تكون الأصعب والأخطر الأكثر تعقيدًا لا تكفيه مقالة بل يحتاج إلى دراسات أوسع وأشمل.

إن عدم انجرار المعارضة لمتابعة مفاوضات جنيف، والانسحاب منها في حال لم يتم التفاوض على هيئة الحكم الانتقالي بشكل مباشر، سيعدّ مكسبًا لروسيا بالمبدأ، لكنه أفضل من متابعته، وتثبيت بقاء بنية النظام من دون تغيير بمرجعية دولية. وبالتالي سيعني هذا حكمًا أن روسيا ستذهب إلى سوتشي، وفرض حلها السياسي في المسألة السورية على طريقتها هي من هناك، ولكن بعد ضمان موافقة أميركية تركية ودولية عليه، تحقق لبوتين وجوده القوي، ومن خلفه روسيا كدولة محورية في العالم. وبالضرورة لن تلجأ روسيا إلى تثبيت أي حل تفرضه إلا بمرجعية أممية ودولية أيضًا، تحقق به مكسبها الأثمن من الحرب السورية، وفق معادلات النظام العالمي الجديد. ما يعني بالضرورة أن جنيف -وإن توقف اليوم- لن يتوقف نهائيًا، بل سيعود مرة أخرى للتداول لكن بعد سوتشي، على أن تستطيع المعارضة تقويضه بإرادة دولية في حركة مقابلة لحركة الروس في جنيف، فحواها ضرورة تغيير بنية النظام في سورية، ليكون مقبولًا عالميًا.

كان القول في ضرورة الخروج من وهمي الحسم العسكري كما السياسي، وضرورة اللعب على التناقضات الدولية، وأهمها استمالة روسيا لفرض شروط التغيير الأمني والسياسي، في بنية النظام، وهو مؤشر مهم على آلية العمل الممكنة، فكل من يعتقد أن روسيا لا تريد هذا التغيير مخطئ، فهي تدرك حجم الفساد والميليشيوية السائدة في بنية النظام وأجهزته، وتريد تغييره جزئيًا لا كليًا، لكن على طريقتها، وهي ليست مضطرة إلى تغييره إلا حسب ما يضمن لها مصالحها وأهدافها فقط، من هنا كانت حركتها بالمعنى العريض في (جنيف 8) وتجهيزها لسوتشي؛ ما يعني في المآل الأخير أن من الممكن التعامل مع الروس، قبل حركة “كش مات النهائية”، في آخر ألعابها في الرقعة السورية، مع كل من المعارضة والنظام معًا، منتظرة من يُدرك إشاراتها، ويعرض عليها البديل الممكن، وتلك هي إشارات بوتين الواضحة من لقاءات سوتشي وحميميم، فهل ثمة من يلتقطها، ويدرك أن المعادلة والحركة القادمة “كش مات”، ستكون النهائية، بخاصة على مستوى تركيبة النظام، أم ثمة في الأفق قول آخر؟

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق