تحقيقات وتقارير سياسية

البحرين ونادي المتحمسين للتطبيع

 

زيارة وفد رسمي أو شعبي، من مملكة البحرين لـ “إسرائيل”، والتجوّل في أزقة مدينة القدس، تحت شعار “نحمل رسالة سلام من ملك البحرين إلى العالم تعبيرًا عن التسامح”، حسب منظمي الزيارة من جمعية (هذه هي البحرين)، تستدعي الحديث بإسهاب عن مرحلة جديدة، دخَلها الصراع العربي الصهيوني، ودخلتها المنطقة برمتها، ارتباطًا بالتحولات النوعية الطارئة على نطاق المنطقة العربية التي لم تعد قيد التنبؤ، بل أضحت واقعًا معاشًا لانهيارات حاصلة وأخرى على الطريق، ففي ظل حالة الغضب الشعبي من الممارسات الصهيونية والموقف الأميركي المستجد من القدس؛ لم تعد الهرولة العربية نحو التطبيع مع “إسرائيل” تجري بعيدًا عن الأضواء، تختار لها زمانًا ومكانًا ينتقل من السر إلى العلن، نشهد معها انتهاء مرحلة وبداية مرحلة جديدة.

إذا كان من أسباب وعوامل انتهاء المرحلة المنقضية، أو قيد الانتهاء ضرورة؛ فإن وعي مكونات وتجليات المرحلة الجديدة يعدّ أمرًا راهنًا، لا يجوز التأخر في وعيه واكتشاف ملامحه. محاولة ترسيم ما حدث -ويحدث- على أنه الشكل الطبيعي لنهاية الصراع العربي الصهيوني، لا تعبّر عن روح وإرادة الشعوب العربية، بقدر ما تعبّر عن إرادة النخب الحاكمة في المنطقة العربية، لفرض شروط المنتصر على المهزوم، وإذا كان ثمة هزيمة تمت؛ فإن الذي هُزم هو النظام الرسمي العربي ونخبه المتحكمة في القرار السياسي والأمني.

إذا كانت قسوة الزيارة والتطبيع مع المحتل تعني أن نتعرف على الجانب المظلم من أعماق الذاكرة الفردية والجماعية، في فرز وتسمية من نكون، وكيف نكون، في توجيه “رسائل التسامح” للعدو، مهما كانت قاسية ومخزية؛ فلنقم بمراجعة كاملة من أجل نفض الغبار السميك عن عقول سميكة ومتثاقلة، في إدراك ما نقود أنفسَنا إليه، في كنف التخلف والجهالة المتمكنة من بعضنا، في وقت تتخذ فيه بعض الأنظمة فبركةَ خبرٍ لوكالة أنباء، ذريعةً لإقامة “الحد”، وإصدار فتاوى ضد دولة عربية تتشارك معهم في كل القيم المشتركة، وفرض حصار وتهديد بشن عدوان عليها ومعاقبة كل تغريدة أو نفَسٍ ينم عن تعاطف مع مواطنيها؛ يتم شحن الوفود السرية والعلنية نحو الكيان الصهيوني لتوجيه رسائل، مرآتها تعكس صورة بشعة تحتاج إلى هزة عميقة، لنتخلص من هذا الكم الكبير من لعبة التقاطع بين مصلحة الاحتلال والطغيان، وتفاهة قراءة الذات الضيقة كمركز لحركية الكون وما فيه.

يُكرر المندفعون نحو تطبيع علني وسري، من المحيط إلى الخليج، صباح مساء، على مسامعنا، أن أحد عوامل الهرولة يكمن في أن الصهيونية المجسدة في دولة “إسرائيل” لا تُشكّل خطرًا، وقد تغيرت عنصريتها. إن هذه الادعاءات تعوزها الحصافة، في مواجهة صهينة عربية آخذة بالتشكل والتحافل والتلاحم، فضلًا عن أن الحس الشعبي بعفويته يُدرك كذب الادعاءات، فإن الوقائع التي ما زالت قائمة على الأرض تنفي هذا الأمر آلاف المرات كل يوم.

من باب المماحكة لا أكثر، يمكن التعرض لنموذج يمكن من خلاله التيقن من صدق ادعاءات المتحمسين للتطبيع مع الاحتلال، ولطلب وده ورضاه، هل يمكن الادعاء أن الدولة العبرية ألغت واحدًا من أسطع قوانينها ذي الصبغة العنصرية: “قانون العودة”! مناهج التعليم في الدولة العبرية تحرص على إيصال الطالب اليهودي -في مادة التاريخ- إلى أن الحضارة البشرية هي محصلة جهود “شعب إسرائيل” وشعوب العالم، وهل يدرك أي من زعامات التطبيع العربي أن خطاب ترامب بشأن القدس يستند إلى مفاهيم تلمودية وتوراتية!!

ما شهدناه، في السنوات الأخيرة، في الميادين العربية وفي فلسطين، يقول إن خزان الوعي لن يرتعب، على الرغم من وحشية الانقضاض عليه، ولن يفيض وعيه إلا لكنس التخلف والجهالة والاستبداد والظلم الذي يريد رسم ملامحنا المستحيلة، بقبول المتصهين والطاغية والمحتل كقدر أبدي.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق