تحقيقات وتقارير سياسية

الثورات تنتصر بقيمها الأخلاقية

 

الثورة -كمصطلح سياسي- هي تغيير. والثورة، كل ثورة، هي عملية مستمرة لطي مرحلة زمنية سابقة، وتغيير جوهري في نمط الحياة، على كافة الأصعدة. والثورة التي لا تنادي بحرية الإنسان، وتحرره من سلطة القديم، ليست ثورة، وبالتالي؛ فإن كل ثورة تحمل منظومة قيمية أخلاقية لأنها، أصلًا، ما كانت لتقوم لولا أن منظومات أخلاقية ما، أصبحت بالية لا تواكب الحياة، وحان وقت تغييرها.

إن الظلم والاستبداد والفساد وقمع الحريات والاستغلال والإقصاء وعدم قبول الآخر.. أحكام قيمية أخلاقية، تواجهها قيم أخلاقية مضادة هي العدالة والحرية والديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان وسيادة القانون… والثورة -بخلاف صيرورات الطبيعة- يفعلها البشر، بواسطة البشر. غير أن البشر، في الثورة أيضًا، يتصرفون بتأثير ظروف اجتماعية لا يختارونها بحرية، إنما يرثونها من القديم، وترشدهم إلى الطريق دونما خيار. ولهذا السبب بالضبط؛ فإن للثورة قوانينها الخاصة، وصيرورتها التاريخية التي فيها الكثير من المد والجزر، والكثير من العثرات والسقطات والانتكاسات إلى جانب، طبعًا، الإنجازات والمكاسب بل الانتصارات.

من حلبات المصارعة في روما، ثار “سبارتكوس” ورفاقه من أجل الحرية: القيمة الأخلاقية العظيمة التي قتل الطغاة على مذبحها ملايين البشر؛ فكانت ثورة عظيمة، من أجل حرية الإنسان المادية والمعنوية وكرامته الإنسانية. لكن هذه الثورة انكسرت في عامها الثالث، بعد سلسلة من الانتصارات على جيوش روما؛ لأن صبر الثوار نفد، وقد سئم كثيرون منهم القتالَ من أجل حريتهم، وأخذوا يعيثون فسادًا في كل مكان. لقد تركوا الحرية التي ثاروا من أجلها، وتبعوا أهواءهم الفاسدة؛ فذهبت ثورتهم إلى مصيرها الأليم.

الثورة الفرنسية الكبرى 1789-1799 التي غيّرت وجه فرنسا وأوروبا عمومًا، وصارت مصدر إلهام لأحرار العالم، بإرسائها مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة، تعرّضت لسقطات وهنات أخلّت، إبان الثورة وبعد انتصارها، بالمبادئ التي نهضت من أجلها، لذلك تعرّض نظام الحكم في فرنسا إلى عدة تقلبات، بين الجمهورية والديكتاتورية والدستورية والإمبراطورية، كانت وراء ثورتي 1830 و1848، ولم تستقر منظومتها القيمية إلا بعد مئة عام، حتى غدت الثورة الفرنسية الحدث الأبرز في تاريخ البشرية، وتركت نتائج واسعة النطاق، من حيث التغيير والتأثير في الدول والشعوب الأوروبية والعالم أجمع.

الثورة الروسية أيضًا مرت بثلاث مراحل: ثورة 1905، وثورة فبراير 1917، وثورة أكتوبر 1917، تطورت من ثورة ضد الطغيان والفساد إلى ثورة برجوازية–ليبرالية؛ ثم إلى ثورة اشتراكية، ولم تتمكن من إنجاز كافة مهماتها الثورية، لا على صعيد القضاء على الاستبداد، ولا على صعيد الديمقراطية والحريات، ولا حتى على صعيد العدالة الاجتماعية والقضاء على التفاوت الطبقي.

في نهاية المطاف؛ انتصرت الثورة الفرنسية بقيمها، وليس بعديدها وعدتها، وجولاتها مع الاستبداد الذي كان بمقدوره، لولا منظومة القيم الأخلاقية تلك، أن يطيح بالثورة، في كل مفترق من مفترقاتها، ويحولها إلى ثورة فاشلة، نقرأ عنها في صفحات التاريخ. بينما الثورة الروسية، لم تتمكن من الانتصار على الاستبداد والظلم والإقصاء، بالرغم من القضاء على النظام الملكي، وإقامة النظام الجمهوري (السوفيتي)، وذلك بسبب نأيها عن منظومة القيم الأخلاقية للثورة: قيم الديمقراطية، العدالة، والحرية، والمساواة، وحقوق الإنسان. ونذكر بأن “روزا لكسمبورغ” الاشتراكية الديمقراطية الألمانية، سبق أن حذرت لينين -زعيم الثورة البلشفية الروسية- من مغبة بناء الاشتراكية (هدف الثورة البلشفية)، من دون الديمقراطية التي هي وثيقة الصلة بنشاط الجماهير العريضة، وضرورة لتوعيتها وتحررها الذاتي.

كما استطاعت ثورات شعوب أوروبا الشرقية عام 1989 التخلص من الاستبداد، لوضوح ودقة هدفها، وهو التخلص من الاستبداد، ومن قبضة الاتحاد السوفيتي، وفعل التغيير الديمقراطي الذي ناضلت من أجله هذه الشعوب.

إن الجديد المستند إلى منظومة قيم أخلاقية، تجسد البناء الديمقراطي للدولة، لا يمكن إلا أن يهزم القديم الذي يقوم على قيم الاستبداد. والثورة -لكونها الجديد الذي يواجه القديم- لا بد من أن تحافظ على منظومتها القيمية الأخلاقية؛ حتى تبقى ضمن صيرورتها التاريخية. وما عدا ذلك فهي إما أن تفشل أو تذهب إلى سلسلة مراحل، لا أحد يستطيع التكهن بمساراتها ونتائجها، لكن كلفها ستكون شديدة الوطأة على الشعوب.

صحيح، أن ثورات الربيع العربي على أنظمة الحكم الاستبدادية في تونس ومصر وليبيا واليمن انتصرت، لأنها استندت إلى منظومة قيم، هي ذاتها، ما استندت إليه الثورة الفرنسية -قيم الديمقراطية– إلا أنها تعثرت، بعيد ذلك؛ لأنها لم تجسد هذه المنظومة القيمية، واقعًا ملموس في الدولة، بسبب القوى السياسية التي قفزت على الثورة والحكم، بأجندات تقوم على إقصاء الآخر، والاستئثار بالحكم والبحث عن تحالفات خارجية مشبوهة، وتشويه قيم الديمقراطية، تارة بالشريعة الإسلامية، وتارة أخرى بالفهم الضيق والمشخصن للديمقراطية وقيمها الأخلاقية، لذلك بقيت تعاند للخروج من عنق الزجاجة، ربما بإطالة أمد الثورة وزعزعة صيرورتها.

في سورية، بدا الحراك السياسي للثورة مع ربيع دمشق أكثر زخمًا من ذي قبل، ولكن سرعان ما أخمد الاستبداد ناره تحت الرماد إلى أن اشتعل من جديد، في احتجاجات نخبوية ضد الاعتقال السياسي والأحكام العرفية. وفي هذا الوقت بالذات، كان الشارع السوري، أمام مشهدية الربيع العربي، بحالة غليان وترقب، سرعان ما تفجر وتطور إلى ثورة من أجل التغيير الديمقراطي. في خضم هذه الأحداث طوّر ناشطو الثورة منظومتها القيمية الأخلاقية: سلمية، وحدة وطنية، حرية، عدالة، مساواة، دولة مدنية تعددية ديمقراطية، مواطنة، سيادة القانون.. في مواجهة المنظومة القيمية الأخلاقية للاستبداد.

في ظل هذا التطور الحاصل؛ زاد بريق الثورة واتسع، وعلى الرغم من العنف الشديد الذي مارسه الاستبداد على المتظاهرين السلميين وتشويه صورة حراكهم الثوري؛ فإن صمت العالم، وخصوصًا العالم الحر، وتخاذله عن مساندة الثورة السلمية، وتكالب قوى الاستبداد العالمي عليها، والقضاء على ناشطيها، وتشتت المعارضة السياسية التي لم تستطع سد الفراغ، وكذلك التشجيع على عسكرة الثورة لصبغها بصبغة طائفية.. ساق كل ذلك إلى أسلمتها، لأن قوى الإسلام السياسي -بشتى مدارجها وعقائدها- هي الأكثر قدرة وتنظيمًا على مواجهة العنف بالعنف. ومنذ ذلك الوقت؛ غدت الثورة تفقد، تدريجيًا، منظومتها الأخلاقية وتحل مكانها منظومة أخرى، في معظمها انسياق أو محاكاة للمنظومة القيمية للاستبداد، وصار الخطاب الديني هو الطابع الغالب على الخطاب السياسي للقوى الفاعلة على الأرض؛ ما أضر كثيرًا بالثورة، وأفقدها ألقها وزخمها، وحصر الصراع بين منظومتين أخلاقيتين متماهيتين، كانت نتيجته، بعد عدة سنوات من الحرب، ضياع وطنٍ وتهتك نسيجه الاجتماعي.

من الصعب -على حد تعبير الكاتب الروسي العظيم ليف تولستوي- وجود تصور أخلاقي أكثر تفاهة: إذا رمَت الثورة البلدَ في البؤس، فمسؤولية ذلك تقع -بالمقام الأول- على الطبقات الحاكمة التي دفعت الشعب نحو الثورة. (من محاضرة له في كوبنهاغن، 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 1922). وفي المقام الثاني، على القوى السياسية التي حرفت الثورة عن منظومتها القيمية الأخلاقية.

بالاستفادة من دروس الثورات في العالم؛ فإن العبء الأكبر يقع على الثورة السورية المتعثرة، ثمّ على ثورات الربيع العربي التي لم تتمكن من إنجاز أهدافها الأخلاقية، لوضع حد لكل هذا الزيف، واللعب في مصير شعب ووطن وأمة، وذلك من خلال أخذ المبادرة الأخلاقية، قبل فوات الأوان، بإعادة الثورة إلى مسارها الصحيح بمنظومتها القيمية الأخلاقية، في مواجهة منظومة الاستبداد بوجهيه السياسي والديني، والارتقاء بالخطاب الوطني الديمقراطي الجامع إلى مرتبة أسمى من كل الأيديولوجيات والنزاعات والمصالح الضيقة والترهات التاريخية.

إن الثورات تنهض، لتنتصر على الاستبداد، وليس بمقدور مستبد -مهما امتلك من قوة- إفشال ثورة، إنما الثورات -حين تفشل- يفشلها الثوارُ أنفسهم، وهنا يصدق المثل القائل: غلطة الشاطر بألف، بل قل غلطة الثائر بألف… إن الثورات تنتصر بقيمها الأخلاقية التي نهضت من أجلها، وليس بعديدها وعتادها وقياداتها، أو باستجداء السماء.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق