هموم ثقافية

لِمَ نُحمَّل وِزرَ حُكّامنا!

 

في خلفية أذهان أصحاب دُور النشر الغربيَّة عامّة، أن القيام بترجمة ونشر عملٍ من أعمال كاتب عربيّ، سيكون بالنسبة إليه تحقُّقًا لأمنيةٍ كبرى، لا تجود الأقدار بفرصة مثلها على الدوام.

ويمكن الاستدلال على هذه الخلفيّة في أذهانهم، من طريقة عرض الأمر على الكاتب، أو محتوى بنود العقد المُرسل إليه، أو اللغة -من دون نسخة عربية- التي يُكتب بها العقد، أو ضيق الوقت المُحدّد لموافقة الكاتب، أو مدّة حقوق ملكية الدار للعمل، أو مقدار المبلغ الماليّ (وكدتُ أكتب: الأجرة) المُقدّم له، أو عدد النسخ المُخصَّصة للكاتب… وإلى ما هنالك مما يشير إلى ذهنية أصحاب تلك الدّور في التعامل مع الكاتب العربي.

لن أُعيد أسباب ما سبق إلى استخفاف الدُّور الغربيّة بالكتَّاب العرب، أو الجهل بقيمة وأهميّة ما يكتبون، سواء على صعيد القيمة الفنيّة والإبداعيّة، أو محتوى الرؤية والموقف والموضوع؛ بل على العكس تمامًا، فهم يعرفون قيمة ما ينوون ترجمته إلى لغاتهم المتعدّدة حقَّ المعرفة، بيد أن المسألة في مطرح آخر.

أصحاب الدّور على اطلاع كامل على أحوال الكاتب العربي في بلده، من مختلف النواحي، وعلى دراية بما يُعانيه ويُكابده، سواء رقابيًا أو سياسيًّا أو دينيًّا أو تغييبًا لحقوق المؤلّف، أو تجفيفًا للعوائد الماليّة عن أعماله، أو محدوديّة نطاق توزيع كتبه (ومن غرائب تقاليد بعض الدُّور العربيّة حصر البيع في مبناها فقط، من دون توزيعها حتى على مكتبات المدن المتواجدة فيها) أو التهميش والتعتيم الإعلامي -على الغالب لأسباب سياسيّة- في بلد الكاتب.. وغير ذلك من البلايا المعروفة.

في ظلّ أحوال كهذه، سيكون طبيعيًا تقدير أصحاب دور النشر الأجنبيّة بأن الكاتب العربي سيمتلئ غبطة بترجمة كتاب له، وسيقبل بالشروط الواردة في العقد، لأنها مهما كانت، فهي أفضل وأكثر احترامًا مما يلاقيه ويكابد منه في بلده؛ وهنا مربط الفرس.

مربط الفرس، لأنّ الكاتب يُحمَّل وزر النظام السياسي في بلده، وفساد قوانينه، وسُمعة أزلام السلطة المتهاوية إلى ما تحت الحضيض، والصغَار لدى أعضاء برلمان بلده وهيئاته ومؤسساته.. فيُعامل كما يجري التعامل مع الدولة سيئة السمعة؛ وإلاّ، فما تفسير التباين الهائل في تعامل الدُّور ذاتها مع كتّاب من جنسيات غير عربية، كاليابانيين مثلًا؟ وما تفسير التعامل المشين ونظرة الاستعلاء الجليّة التي يتلقاها -في غير ميدان الكتابة- أبناء البلدان العربيّة الراغبين في الحصول على تأشيرات دخول إلى بلدان غربيّة مختلفة، سوى أنّه يتمّ تحميلهم -هنا أيضًا- وزر بؤس أنظمتهم الحاكمة، وطغيانها ومفاسدها، كما لو كان الكتَّاب العرب جُزءًا من تركيبة الأنظمة.

إنّنا نُحَمَّلُ آثام حُكَّامنا، وجرائم الزُمر الطاغية في بلداننا، وخطايا الشرور التي تسم أزلام السلطات فيها، ونُؤخَذ بجريرة ما مارسوه من إرهاب، وما مثَّلوه من استبداد وخروج فاضح عن الشرائع والأنظمة، أكنَّا كتَّابًا وفنَّانين أم من أيّ فئة أخرى.

أمَّا لِمَ يجب أن نُحَمَّل نحن، ولِمَ علينا أن نتحمَّل نحن، ولِمَ شُملنا نحن مع المارقين، الأفَّاقين، اللصوص، المُباعين من الحكَّام الذين تمَّ زرعهم وتنميتهم ورعايتهم وتنصيبهم وحماية مناصبهم من قِبَل حكومات دول الغرب ذاتها؟ ولِمَ لا يُحمَّل كتَّاب وفنانو دول أخرى، غير عربيّة، سوى أوزار أنفسهم وأعمالهم فحسب؟ فما من جواب عندي غير أن أقدارنا أن نعيش ونقضي هكذا.

مقالات ذات صلة

إغلاق