أدب وفنون

قصة حب إيرانيّة، اشتغال ما بعد الحداثة

 

تقترح رواية (قصّة حب إيرانيّة تحت مقصّ الرقيب) إزالةَ الغبش المتراكم، كجثث تتأبطُ مجال الرؤية، لكي تفسح لنا النظر إلى المسارات المغلقة، لمجتمعٍ عنّفتهُ قبضةُ نظام الجمهوريّة الإسلاميّة. حيث التشظّي، والبحث عن الذات، عناوين عريضة يطرحها الكاتب الإيراني شهريار مندني بور الذي يعيش في ولاية ماساشوستس الأميركية، ويعمل باحثًا زائرًا لدى جامعة هارفرد، ويطرح إلى جانبها نقدًا غير مباشر للجانب الحسيّ من الواقع، كسائر روايات تيار ما بعد الحداثة.

تيار ما بعد الحداثة -كما يراه ليبتوفسكي- هو فنٌّ من دون ادعاء، فنٌّ عفويٍّ، حر. يعكس صورة المجتمع النرجسي غير المكترث؛ ما يحرر رواية ما بعد الحداثة من المفهوم الخطيّ للزمان والحدث داخل بنيّة السرد، ومن التجانس والغائية –أيضًا- لتكون أقرب إلى مسرح الفودفيل (مسرح الحوار الفكاهي)، ومسرح الإيماء منهُ إلى مكوّنات الرواية الكلاسيكيّة، أو رواية الحداثة (روايات تيار الوعيّ مثالًا عليها)، ليكون من السهل هنا الاستدلال على منظومة عمل مندني بور في قصة حبّه الإيرانيّة، عندما تفصح الكوميديا الغرائبيّة عن نفسها، في الصفحات الأولى من الرواية، حيث فتاةٌ تحمل لافتة غريبة “الموت للحريّة… الموت للعبوديّة”، تقف على مقربة من تظاهرة، نظّمها طلاب في جامعة طهران يطالبون بالحريّة، وفي مواجهتهم تقف جمهرةُ طلابٍ من “حزب الله”، وكلا الطرفين يعتقد أنّ الفتاة مدسوسةٌ عليه من الطرف الآخر: (ظلالٌ لا اسم لها من الغضب والكراهيّة، صيحاتٌ بلا أصوات من الدم والأمل والظلام، معلّقة في الهواء. من أحد الاتجاهات، أيّ عند جادة أناتول فرانس، ومن الاتجاه الآخر، أيّ عند ساحة الثورة، أغلقت الشرطة الطرق وسدّت المنافذ، ومنعت جميع السيارات والمشاة من المرور في هذا الجزء من شارع الحريّة). “ص 10”.

ثم تمضي السخرية لدى مندني بهدوء، تنمو وترمي بظلالها على مقتنيات النص اللغوية، باعتبار أنّ السخرية هي محاولة لإعادة تصويب بنية السرديات التي تلاحق الشعارات الكبرى، واليقين، في روايات ما قبل الحداثة، إذ نقرأ في الصفحة 17: (في قصة الحب هذه، يجب أن أضع بطلة أنثى، وبطلًا ذكرًا، أو بالعكس. من المؤكد أنك تريد أن تسأل الآن، بخفّة فضول لا تحتمل: ألا يجب أن يكون هناك رجل وامرأة، في قصة حبّ إيرانيّة؟!).

يختار الكاتب اسمين مستعارين للحبيبين في روايته هما: (سارا ودارا)، وتصبح رواية (البومة العمياء) الممنوعة، لكاتبها الإيراني صادق هدايات، سببًا للتعارف بين الحبيبين، وفي المكتبة العامة لا يستطيع “دارا” أن يرى وجه “سارا”، لذا يحفظ شكل أحذيتها، ويطلق عليها الأسماء.

ولعلّ جنوح تيار ما بعد الحداثة في الرواية إلى التلقائيّة في السرد، وتلمّس خيار التحليل النفسي هو ما يجعل بناء الرواية بعيدًا عن توصيات تقنيات الكتابة التقليّدية، وتكنيكات السرد المعروفة، حيث يسوق الكاتب قصة “خسرو وشيرين“، وهي ملحمة شعرية، ليس فقط ليفسّر صعوبة ترجمة الأدب الإيراني القديم، في ظلّ الرقابة الإسلاميّة للنظام القائم لديهم. بل لتكون استطرادًا رمزيًّا يجري تدويره لاحقًا من زوايا عدّة، وهذا إنباتٌ واضح لتقنيات السرد في رواية ما بعد الحداثة، حيث يصير واردًا استخدام الكولاج (لصق)، وهو تكنيك فنيّ هدفه تكوين عملٍ جديد من تجميع أشكالٍ مختلفة. كما أنّ تزامن سرد حدثين أو أكثر هو من تقنيات السرد في رواية ما بعد الحداثة، حيث تصير قصة حياة الكاتب جزءًا من فضاء السرد داخل الرواية، حين يعرض انتقاله من مدينته شيراز إلى طهران، لدراسة العلوم السياسية، ثم خدمته العسكريّة خلال الحرب الإيرانية العراقية، وهو ابن العائلة الثرية التي اقترحت عليه يومًا السفر إلى الولايات المتحدة لدراسة الطب أو الهندسة، إلى أن تلتقي خطوات الكاتب القادم من شيراز إلى طهران، لتعديل مجموعته القصصيّة (اليوم الثامن للأرض)، مع خطوات “سارا” الواقفة على مقربة من التظاهرة الطلابيّة، تحمل لافتتها الغرائبيّة، شاهدها وهو يركب المقعد الخلفي للدراجة النارية الخاصة بالناشر، وكانا يقصدان وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.

تقنية الكولاج في السرد، تمتد إلى شرح قصة اسمي ابنيّ الكاتب: ابنته “باران”، وابنه “ماهان”، بما يحمله من سخرية، تطال نظام الرقابة في إيران، حتى على اختيار أسماء المواليد، ثم تتكثّف تقنيّة إعادة السرد في الحوارات الكثيرة بين الكاتب، والرقيب الذي أسماه “بيتروفيتش”، وتصير الجمل المشطوبة بخطوط طوليّة داخل الرواية، بمثابة إعادة سرد، كما لو أن الرقيب يكتب الرواية مجددًا. في الواقع تحيلنا رواية مندني في تقنية إعادة السرد، إلى استنطاقات عديدة للواقع المأزوم في إيران؛ حيث تمون الرسائل الإلكترونية، في محادثات “سارا ودارا”، على الواقع في تفسيره بالسخرية منه، نقرأ في الصفحتين 93-94: (اسألوني ماذا يتهامسان، وسأقول: إنهما يتناقشان حول “جرف صخري في مكانٍ ما”، وهي قصّة كتبها شهريار مندني بور، يقول دارا: إنها قصة جبانة وجديرة بالازدراء، حتى لو لم يكن باستطاعة الرجل والمرأة أن يتمشّيا معًا في الشارع، وحتى لو كانا يخشيان الجلوس في مقهى ليتحادثا، ها هما الآن فوق قمّة الجبل، فلماذا لا يكلّم أحدهما الآخر بصراحة؟ حيث لا توجد دوريات من حملة مكافحة الفساد الاجتماعي، ولا مخبرون يمكنهم الوشاية بهما!)، وفي الصفحة 97 نقرأ: (يحدّث دارا سارا عن الأوقات السعيدة التي أمضاها في الجامعة، ويقول لها بما أن جميع الشركات رفضت أنّ توظفه لديها، فهو لا يزال يعيش مع والديه… وتقول له سارا إنها في سنتها الأخيرة في الجامعة وإنها تدرس الأدب. وبما أنها تعرف حياة مؤلفها -الذي هو أنا– فإنها تعرف أنها عندما تتخرّج وتحصل على شهادتها في الآداب، لن تكون لديها آمال كبيرة في إيجاد عملٍ أيضًا).

الرقيب في رواية (قصة حبّ إيرانيّة تحت مقص الرقيب)، ليس فقط “بيتروفيتش”، بل هو الرقيبُ الكليّ، و”بيتروفيتش” أحد أشكاله وتجلّياته الواعيّة، والمقص لا يتحرك فقط، لفصلِ أعضاء الرواية أو القصة أو الفيلم التي تتطاول على مبادئ النظام الإسلامي القائم، بل هو تعبيرٌ ماديٌّ إلغائي لكلّ ما يمس المنظومة القيميّة الراكدة بلا إعادة نقاشٍ هناك، في تحريم نقد النظام الحاكم، كما في تحريم اختلاط الذكور مع الإناث في الأعراس.

يقدّم الكاتب لنا شخصياته لتبدو بوعيّ كاملٍ منفصلٍ عن وعيه، وهذا يتماهى مع اعتبارات تيار ما بعد الحداثة، حيث يريد إنسان ما بعد الحداثة أن تكون له كلمةٌ، ورأي للتأثير في حياته، فلم يعد الانصهار المجتمعي واردًا، وكلّ فردٍ بات قادرًا على اختيار طريقة التعبير التي يشاء عن نفسه، ثم يقرر مسار حياته طبقًا لمصالحهِ الشخصيّة، وهنا يعتبر منظّرو تيار ما بعد الحداثة أن النزعة النرجسية ستكون بمثابة الصورة الرمزية الأكثر تعبيرًا عن عصرنا. نقرأ في الصفحة 203: (لكن سارا، بعكس رغباتي وتوقعاتي، تقول: “لسنوات، كان يُطلب من الجميع أن يلزموا الهدوء، وألا ينتقدوا، وألا يعترضوا، بنفس الأعذار، الحرب والصراع مع الإمبرياليّة العالمية، ومناهضي الثورة…”، ومن دون أن آخذ إذنًا من سارا، شطبت هذه الجملة، ولكي أتفادى أن اضطرّ إلى كتابة باقي تعليقاتها، غادرت بيتهم). وكذلك في الصفحة 329، عندما استنتج دارا أنّ “سندباد” –خطيب سارا- يريد قتله، قرّر أن يسبقه إلى فعل ذلك: (حاولت أن أثني دارا عمّا يزمع أن يفعله، لكني لم أفلح. أرى بوضوح الآن كيف أن قصة الحب التي أكتبها بدأت تأخذ مسارًا، لم أكن أنوي أن تأخذه على الإطلاق. لقد أصبحت القصة التي أكتبها على وشك الانهيار)، أو حين انتبه الرقيب “بيتروفيتش” إلى مشاعره تجاه “سارا”، فأرسل قاتلًا ليتخلّص من “دارا”، ثم طلب من الكاتب أن يجد له طريقةً لكي يتعرّف بها إلى “سارا”.

جاءت رواية ما بعد الحداثة أمينةً، من خلال نقل اشتراطات الواقع الجديد، في تفتّت الهويّة الاجتماعيّة، وفي إغلاق الأدراج التي تحمل نصوصًا أيديولوجية أو سياسيّة، فهي إذًا رواية الشخصيّات غير المستقرّة، حيث يمكن تعميم الشعور بالانسحاق واللامبالاة لديها، وإذاعته خارج حدود الجغرافيّة، واستفزازها المكاني، باعتماد الرمزيّة الساخرة بتعاليها المحبب على الديكور الواقعي الذي ألفناه عن الحياة، وتظهر في رواية مندني المئات من طيور نقّار الخشب تغزو أشجار طهران، تعجز قوات الباستيج عن إسقاطها ببنادق الكلاشنكوف، كما يظهر حوتٌ ممدّدٌ على الإسفلت عند مشارف طهران، ثم القزم الأحدب الذي يظهر لسارا في بداية القصة، ثم يظهر مقتولًا في حديقة بيتهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق