قضايا المجتمع

التعذيب جريمة.. والسكوت عنه جريمة

 

تسعة وستون عامًا مضتْ على إقرار وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، نال فيها الإنسان الكثير من الحقوق التي نصت عليها شرعة حقوق الإنسان، وأصبح يمارس حقوقه كإنسان، دونما عقبات أو مضايقات تُذكر، في عدد كبير من دول العالم. بينما نحن في سورية ما زلنا مشغولين في إحصاء عدد السوريات والسوريين وغير السوريين الذين تعرضوا للتعذيب، أو قضوا نحبهم تحت التعذيب، في سجون ومعتقلات النظام السوري، وأيضًا في معتقلات المعارضة المسلحة والتنظيمات المتطرفة التي انتشرت على الأراضي السورية، بعد عدة أشهر من اندلاع الثورة السورية في آذار/ مارس 2011.

على مدى أكثر من خمسين عامًا، تحوّلت سورية إلى غرفة للتعذيب، ومكان للرعب الوحشي والظلم المطلق، بحق كل من طالب ويطالب بالتمتع بحقوقه كإنسان، ولو بالحدود الدنيا. وعلى الرغم من أن النظام السوري أقرّ في قوانينه على تجريم التعذيب، فإن ذلك بقي حبرًا على ورق، والتعذيب لم يتوقف، لا بل تحول إلى نهج وسلوك يومي، في مراكز الاعتقال والاحتجاز، خلال السنوات الأخيرة. ولا أحد يجرؤ على السؤال، ومن يجرؤ على سؤال ومساءلة أجهزة الأمن، في ظل السطوة والحماية القانونية المطلقة التي تتمتع بها منذ العام 1968؟

كان النظام السوري قد أصدر في العام 1968 (المرسوم 14) منح فيه العاملين في إدارة المخابرات العامة حصانةً ضد الملاحقة القانونية، تجاه الجرائم التي يرتكبونها في أثناء تأديتهم لعملهم، إلا بإذن خاص من مدير إدارة المخابرات؛ وهو ما كرّس سياسة الإفلات من العقاب، وفتح المنافذ مشرعة للخروج على القانون، وقضى نهائيًا على مبدأ سيادة القانون. ونصت المادة 16 منه حرفيًا: “لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في الإدارة عن الجرائم التي يرتكبونها، في أثناء تنفيذ المهمات المحددة الموكولة إليهم، أو في معرض قيامهم بها، إلا بموجب أمر ملاحقة يصدر عن المدير”. وكذلك قانون التنظيمات الداخلية لإدارة أمن الدولة رقم 549 تاريخ 25/ 5/ 1969 الذي نص في المادة 47 منه: “لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في إدارة أمن الدولة أو المنتدبين أو المعارين إليها أو المتعاقدين معها مباشرة، أمام القضاء، في الجرائم الناشئة عن الوظيفة، أو في معرض قيامه بها قبل إحالته على مجلس التأديب في الإدارة، واستصدار أمر ملاحقة من قبل المدير”. وكلا المرسومين نصّ على عدم نشرهما في الجريدة الرسمية.

استكمالًا للحصانة الممنوحة لعناصر إدارة المخابرات العامة، أصدر بشار الأسد المرسوم التشريعي رقم 64 بتاريخ 30/ 9/ 2008 والذي قضى بمنح عناصر الشرطة وشعبة الأمن السياسي والجمارك حصانة، لم يسبق أن منحت لهم منذ تأسيس الدولة السورية، نصت المادة 1 منه: (تضاف، إلى آخر المادة 47 من قانون العقوبات وأصول المحاكمات العسكرية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 61 تاريخ 27/2/1950 وتعديلاته، الفقرة الآتي نصها: 7-آ- الجرائم المرتكبة من ضباط وصف وأفراد قوى الأمن الداخلي، وعناصر شعبة الأمن السياسي، وعناصر الضابطة الجمركية، بسبب تأدية المهام الموكلة إليهم. ب- تصدر أوامر الملاحقة بحق ضباط وصف ضباط وأفراد قوى الأمن الداخلي، وعناصر شعبة الأمن السياسي، وعناصر الضابطة الجمركية، بقرار من القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة، وفق أحكام المادة /53/ من قانون العقوبات وأصول المحاكمات العسكرية وتعديلاته).

على الرغم من اتساع عمليات التعذيب وتحولها إلى نهج وسلوك يومي، في سجون ومعتقلات النظام السوري، وتعّرض مئات الآلاف من السوريات والسوريين للتعذيب، ومقتل عشرات الآلاف منهم تحت التعذيب، منذ آذار/ مارس 2011 حتى تاريخه، فإن المجتمع الدولي -بكل إعلاناته ومواثيقه واتفاقياته التي تحظر التعذيب- وقف عاجزًا عن وضع حدٍ لهذه المأساة، ولم يستطع أن يفعل شيئًا نحوها سوى إصدار بضع كلمات إدانة، لا تسمن ولا تغني من جوع. ويبدو أن المشكلة ليست في عدد تلك المواثيق والاتفاقيات أو بما تضمنته، بل المشكلة في انعدام الرادع القوي للالتزام بتطبيق تلك النصوص، سواء محليًا أو دوليًا، فسكوت المجتمع الدولي عن جرائم التعذيب، أعطى رسالة لمن يمارسون التعذيب أن يستمروا في تعذيبهم للناس؛ الأمر الذي كرّس سياسة الإفلات من العقاب لعقود طويلة.

إن ما نصت عليه العهود والاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، ولا سيما اتفاقية مناهضة التعذيب التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1984، بالتأكيد ليست أيقونة تُعلق للفرجة، بل من أجل تطبيقها وإلزام الدول والأفراد بها، وقد صيغت لاحترام حقوق الإنسان، وتكريس مبدأ الحرمة الجسدية له، واحترام الفرد لكونه إنسانًا، وليكون القانون فوق رؤوس الجميع، وليس للدوس عليه.

لقد كشفت المأساة السورية حجمَ التعذيب الهائل الذي يتعرض له المعتقلون في السجون وزنازين الأمن، وبعض الجماعات المسلحة، وكشفت معها زيف الادعاء العالمي بحماية حقوق الإنسان واحترامها، وإن استمرار هذه الجرائم شكّل وصمة عار على جبين الإنسانية. وعلى الدول المؤمنة بحقوق الإنسان، التحرك الفوري لوضع حدٍ لسياسة الإفلات من العقاب، ومنح محاكمها صلاحية ملاحقة الجناة، أيًا كانوا ولأي دولة انتموا، ومعاقبتهم على الجرائم التي اقترفوها بحق الإنسان.

السكوت عن جريمة التعذيب هو جريمة ليس في حق من وقع عليه التعذيب وحسب، بل في حق الإنسان والإنسانية جمعاء، ويكرّس سياسة الإفلات من العقاب، ويشكل طعنة لكل شرعة حقوق الإنسان، ويفقدها معناها، ويكرّس شريعة الغاب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق