أدب وفنون

أنكر ونكير والزعيم

 

فلمَّا أهالوا الترابَ فوق الزعيم بعد مَقتَلِه.. وانتهت مراسم الدفن، انفتح في الليلِ قبرُه، فجلس أنكر على يمينه، ونكير على شماله.

سأله أنكر: ما اسمك.. يا عبد الله.

– أنا الزعيم.

وسأله نكير: فَمَن إلِهُكَ؟

قال الزعيم: السلطةُ.. والمالُ.

– فما دِينُكَ؟

– لا دينَ لي، لكنِّي استخدِمُه لتثبيتِ سُلطَتِي.

فسألَهُ نكير: كلُّ الزعماء.. مثلك؟

ضحك الزعيم: إلّا.. ما قَلَّ في التاريخِ ونَدَر.

قال أنكر: ولماذا.. قتلوك!

– قتلتُ كثيرينَ من أجل سُلطتي؛ وقتلوني من أجل سُلطتهم.

فسأله نكير: ولست.. آخِرَ المقتولين.

– قد سبقني إلى هذا كثيرون.

علّق أنكر: لا نعرف عنكَ وَلَعًا بقراءة التاريخ.. فمن سبقكَ؟

فتذكّر الزعيم:

– الملك رمسيس الثالث.. هكذا قرأتُ يومًا على قفا ورقةِ روزنامة.

أردف أنكر:

– وتلك أولُ محاولةٍ انقلابيةٍ نسائية في التاريخ، من إحدى زوجاته “تيا”، لتنصيب ابنها “بنتاؤر” فرعونًا.. بدلًا منه.

تابع نكير:

– والاغتيال الثاني في مصر.. كان نسائيًا أيضًا؛ حين اغتالت “شجرة الدُرّ” الأميرَ المملوكيَّ عز الدين أيبك؛ ثمّ حَكَمت 80 يومًا فحسب؛ انتهت بموتها، ضربًا بالقباقيب.

فسألهما الزعيم: فَمَن.. أيضًا؟

أجابه أنكر:

– “يوليوس” قيصر.. طعنَهُ في ظهرِه بروتوس.. أقربُ الناسِ إليه.

تابع نكير:

– و”كاليغولا” الذي عَيَّن حِصَانَه عُمدةً لروما!

ضحك الزعيم.. فحدّق به الملكان بنظرةٍ جعلته يبلع ضحكته؛ وتابع أنكر:

– ومن قياصرة الروس.. كثيرون: بطرس الثالث عام 1762؛ إيفان السادس عام 1763؛ بولص الأول 1801؛ الإسكندر الثاني 1881؛ نيقولا الثاني 1981.

علّق الزعيم:

– دعونا من القياصرة والأباطرة؛ فماذا عن خلفائنا والسلاطين؟

قال نكير:

– اغتيلَ ثلاثةٌ من الخلفاء الراشدين: فقتلَ عثمانَ بن عفان رجلٌ؛ وقتل عمر بن الخطاب رجلٌ فارسيّ؛ وقتل عليًا بن أبي طالب رجلٌ من الخوارج.

وأردف نكير:

– وقائمةُ الاغتيالات مِن بعدِهم.. تحتاج إلى يومٍ وليلتين.

فسألهما الزعيم: وماذا عن الملوك والرؤساء العرب؟

أجابه أنكر:

– تلك قائمة تطول.. فمنهم: ملك الأردن عبد الله الأول 1951؛ ملك العراق فيصل الثاني 1958؛ ملك السعودية فيصل بن عبد العزيز 1975؛ رئيس مصر محمد أنور السادات 1981؛ ثم صدام حسين والقذافي وأنت أيضًا.. لم يَفُتكَ قِطَارُهم.

وأردف نكير: ثمة مئة محاولة اغتيال فاشلة في التاريخ.

تنهَّد الزعيم المحروق؛ المخلوع؛ المقتول:

– كل مَن سبقوني إلى عرش اليمن السعيد.. قد قُتِلوا!

قال أنكر:

– الإمام يحيى حميد الدين: قتل عام 1948؛ إبراهيم الحمدي: اغتيل عام 1977؛ أحمد الغشمي: اغتيل عام 1978؛ سالم ربيع علي: أعدم عام 1978؛ قحطان الشعبي: قُتِلَ في السجن عام 1981؛ عبد الفتاح إسماعيل: اغتيل عام 1986؛ ولستَ آخِرَهُم.

ثم لكزه نكير بالمِزرَبَّة.. بين رئتيه:

– ألا تأبَهُ.. ألا تخافُ!

فشهق الزعيم.. بالدمع الغزير:

– تلك مصايرُ العروش.. نعرفها؛ فنمضي إليها.. غير آبهين.

ولكزه أنكرُ:

– ألست نادمًا، يا ابن العَفَّاش، على تعفيشكَ ثروةَ اليمن.. لصالح عائلتك وأتباعك، وعلى ظُلمِكَ شعبك؟!

فنشَجَ الزعيم: ليتَ ينفعني الندَمُ.

ثم إنه تململ.. فَدَسَّ يَدَهُ في جيبِ ردائِهِ؛ فأخرج بطاقة بنكنوتٍ ما يزال عليها شيء من دمه؛ لوَّحَ بها أمام عيني أنكر ونكير؛ وهو يبتسم ابتسامة الثعلب البريّ؛ فسألهُ أنكر:

ما هذه.. يا ابن العَفَّاشين؟!

همس الزعيم:

– فيها المليارات التي عَفّشتُها.. خُذَاها حلالًا.. زلالًا؛ فغَيِّرا محضرَ محشري هذا.. لصالحي، أمام إلهنا الغفور الرحيم.

صرخ أنكر ونكير.. معًا؛ فاهتزّت عظام الموتى في قبورها:

– وَيحَكَ، حتى في قبرِك.. تَرشو ملائكة الرَبّ!

ثم نزلا بالمِزرَبات، يتناوَبَان ضَربَهُ بلا رحمةٍ؛ ويُضيِّقان القبرَ عليه حتى تتقطّعَ أنفاسُه؛ ثم يُعَاوِدَانِه من كلِّ ناحية، حتى تُلَعلِعَ صرخاتُه من جديد، وإبليس يتفرّجُ على المشهد؛ لا تنقطِعُ ضحِكاتُه.. حتى أهالا الترابَ ثانيةً فوق رَمِيمِ الزعيم.

مقالات ذات صلة

إغلاق