مقالات الرأي

البعد الأخلاقي بين الغياب والحضور

 

عقب انتهائه من إلقاء محاضرة ممتعة وثرية، قال لي أحد كبار علماء الفلسفة الفرنسيين إنه يؤطر باحثة شابة تعِدّ رسالة دكتوراه، يعتقد أن موضوعها يهمّني، وبالتالي فهو يتمنى عليها أن تقابلني، للنقاش في متنه وإبداء النصح بالمراجع المتوفرة والمساعدة على كتابته. أثارت هذه المقدمة فضولي، فحثثته على الإسراع في الكشف عن موضوع الدراسة المعنية بهذه المقدمة، ولكن كعادة المدرسة الفرنسية في تقديم المواضيع المهمة، استطرد صاحبي في التعبير عن إعجابه بمستوى الوعي لدى السيدة المذكورة، وبأنه يعوّل على نتيجة بحثها، لكي يُغني كتابًا مشتركًا معها، يتعرض بالتفصيل للموضوع آنف الذكر، والذي ما زال مجهولًا بالنسبة إلي.

مع طول المدخل إلى صلب الموضوع، بدا عليّ -على الرغم من جزيل الاحترام الذي أكنّه للأستاذ الكبير- أن صبري قد بدأ بالهبوط التدريجي، فابتسم بإطالة أيضًا، ليقول لي إنه لن يُطيل انتظاري، وإنه سيُفصح لي عن الموضوع بتدريجٍ، يساعدني في قبول فكرته، وفي عدم إساءة فهم المقصود منه. حينئذٍ، تخلصت فعلًا من كل عقد الأجيال والفوارق التراتبية التي كنت -وما أزال- احترمها، أمام من هم متقدمون عني بالسن وبالمعرفة، وقلت له بالعربي الفصيح المفرنس: إن صبري قد استهلك وإنني بدأت أشك، وقد ذهب بي التفكير يمينًا وشمالًا باتجاهات عدة؛ فتحولت ابتسامته إلى ضحكة عالية الوتيرة، وأفصح لي أخيرًا عن البحث الذي تُعدّه طالبته.

السيدة الباحثة تسعى لفهم وتحليل مسألة (غياب البعد الأخلاقي في التعاطي مع الثورة السورية)، لدى الرأي العام العربي والغربي عمومًا، ولدى فئة ممن يدّعي وصلًا بحقوق الناس والمبادئ الديمقراطية خصوصًا. وبالحقيقة، طرَح هذا السؤال نفسه مرارًا عليّ وعلى أقراني من السوريات ومن السوريين، منذ بداية المقتلة السورية التي تلت اندلاع الثورة، عندما حوّلتها الغارات الجوية والبراميل المتفجرة إلى ساحة دماء إنساني ومادي. ولكن ابتعدت بي (بنا) الأجوبة، لتلاقي نظريات قديمة وتجارب عديدة تمتد من صمت طويل، من الديمقراطيين في الماضي، عن مقتلة الحرب الأهلية الإسبانية، ودفع الجمهوريين للارتماء بحضن القاتل الفاشي، على طريقة، جوزيف ستالين، مرورًا إلى الصمت المخجل لعديد من مثقفي أوروبا عمومًا وألمانيا خصوصًا، في أثناء الإبادة الجماعية ليهود وغجر ومثليين، إبّان الحرب العالمية الثانية، والصمت المتواطئ غربًا وشرقًا على قيام كيان استيطاني وعنصري في فلسطين، بانتهاكٍ صارخ للقوانين الدولية وللمبادئ الأخلاقية، وصولًا إلى الموقف الغربي المُبهم، في أثناء مجازر البوسنة خلال النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، وأخيرًا وليس آخرًا، الصمت المتواطئ -فرنسيًا وبلجيكيًا- إبّان حوادث التطهير العرقي في رواندا، في الفترة نفسها تقريبًا.

المسألة السورية ليست إذًا الضحية الوحيدة لغياب الأخلاق في العلاقات الدولية، ولبروز موقف متخاذل إلى حد المشاركة في الجريمة لبعض النخب الثقافية والفكرية. بالمقابل، يصطدم الهم السوري بتواطؤ عربي “يساري قومي”، لا يتوقف عند مسألة الصمت بل يمتد إلى خطاب تحريضي يتبنى لغة الاستبداد، ويلفظ أي نقاش حول الأبعاد غير الأخلاقية لهذا الموقف، معتبرًا ومعتقدًا -بل جازمًا- بأنه يملك الحقيقة بالاستناد إلى دوغمائية متحجّرة أعمته، طوال عقود، عن ديكتاتورية جمال عبد الناصر، وعن دموية وطغيان صدام حسين ومعمر القذافي. تحوّل هذا الكائن العقائدي المتخشّب إلى بوقٍ لا يستخدم العقل إلا للفذلكة الخطابية والحذلقة التعبيرية.

منذ أيام، عرض التلفزيون الفرنسي فيلمًا وثائقيًا، يتحدث عن الاغتصاب المنهجي للنساء المعتقلات، في السجون والفروع الأمنية في سورية، وقد استعرض الفيلم شهادات لعدة نساء سوريات، تحدثن خلاله بتفاصيل مُفجعة عما تعرضن له. وفي حين انفجر المدافعون عن حقوق الإنسان عربًا وأجانب، وخصوصًا اليساريون منهم، بعد نشر وقائع قيام وحوش (داعش) باغتصاب الفتيات الإيزيديات في شمال العراق؛ صمت هؤلاء أنفسهم، أو أغلبهم، عما جرى بشكل مماثل في سورية، وعلى مستويات رقمية أكبر، وثّقتها منظمات دولية محايدة، وعرض بعضها هذا الفيلم. بل ذهب بعضهم إلى اعتبار أن عرض هذه الشهادات، التي تروي تصرفات تليق بوحوش آدمية، هو مجرد “بروباغندا” ودعاية مغرضة.

في الوقت ذاته، نشرت الوكالات العالمية صورةَ طفل فلسطيني اعتقله 23 جنديًا إسرائيليًا، بعد ضرب مبرح تعرّض له. وقامت بعض الأقلام الإسرائيلية أو المؤيدة للسياسة العنصرية في أوروبا، بالتشكيك بهذه الصورة، وباتهامها أنها مفبركة.

انعدام الأخلاق هو نفسه في المسألتين، ولكنه يصل -عند بعض العرب- إلى إشهار تضامن أجوف وكلامي مع القدس وقضيتها، ونشاط افتراضي حول هذا الأمر الحق الذي يراد به باطلًا. هم يشترون ضميرهم الملوّث، بصمت مريب ومشارك في الجريمة عن المقتلة السورية، بصورة قبة الصخرة. بالمقابل، فهم ينفون ويشككون بالعذاب السوري، بل هم يصفقون للموت السوري.

الموقف المبدئي لا يمكن أن يكون انتقائيًا. فالتضامن مع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني يجب أن يتوافق مع التضامن مع الحقوق المشروعة، لكل الشعوب والجماعات الساعية إلى حريتها وإلى انعتاقها. إن نفي الحقيقة السورية يتطابق مع التشكيك بصورة الطفل الفلسطيني المعتقل. انعدام الأخلاق في الحالتين واحد. وسيكون لدى الباحثة الشابة كمٌّ هائل من المواد والشواهد، لكي يكون حديثها عن غياب الأخلاق في التعامل مع المسألة السورية متميّزًا ألمًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق