قضايا المجتمع

كيف تتحوّل الأمراض العرضية في الغوطة إلى كابوس؟!

 

قد لا يؤثّر مرضٌ التهابيٌ بسيط، في الوضع الطبيعي، على الصحة العامة للمريض، ويُعالج بطرقٍ بسيطة، أبرزها الأدوية المضادة للالتهاب، ويشفى المصاب بشكلٍ تام، لكن الأمر في الغوطة الشرقية المحاصرة مختلف، حيث “من المحتمل أن يتفاقم هذا الالتهاب أو غيره من الأمراض العرضية، ويتحوّل إلى مرضٍ خطر، قد يتسبّب بالوفاة، أو بفقدِ إحدى الوظائف الحيوية، وذلك بسبب عدم توافر هذه العلاجات البسيطة”، هذا ما أكده أطباء الجمعية الطبية السورية الأميركية (سامز)، لـ (جيرون).

قال الطبيب (حمزة) من الجمعية الطبية السورية الأميركية، لـ (جيرون): “قضتْ منذ عدة أيام شابة، لا يتجاوز عمرها 22 عامًا، بعد إصابتها بالتهاب (خرّاج) في الثدي، والمضاد الحيوي لهذا الالتهاب غير متوفّر؛ ما أدى إلى وفاتها”.

وأوضح: “في الآونة الأخيرة، توجّهت الأنظار وأقلام الصحافيين نحو المصابين بأمراضٍ خطرة (الأورام، مرضى الكلى، أمراض القلب)، وأُهملت الأمراض الأخرى التي لا تقلّ أهمية عنها، وتشكّل جزءًا من معاناة الأطباء اليومية، الذين لا يستطيعون إعطاء طفلٍ رضيع حاجته من الدواء المخفّف للآلام أو الخافض للحرارة، ويكتفون بإعطائه جرعة واحدة أو جرعتين، خلال زيارته المستشفى، ليُتاح لهم ادّخار قسم من الدواء لمرضى آخرين”.

أضاف: “فقدَ معظم المرضى الأمل من مراجعة العيادات، لأن العلاج غير متوفر. الأمراض البسيطة كالإنفلونزا تستمر شهرًا للتعافي، وتحاول الكوادر الطبية التقنين والاقتصاد في الجرعات الدوائية قدر المستطاع، أما بالنسبة إلى الإسهال الجرثومي لدى الأطفال، وهو التهابٌ بسيط علاجه عرضي، فإنه يحتاج إلى تغذية متوازنة، ومضاد جرثومي، وكلاهما غير متوفر؛ ما أفضى في الآونة الأخيرة إلى وفاة العديد من الأطفال، بسبب التجفاف الذي يحدث بعد الإسهال”.

لفتَ الطبيب حمزة إلى ارتفاع نسب وفيات الجلطات القلبية، بين شريحة متوسطي السن في غوطة دمشق، وعزا السبب الكامن وراء تلك الجلطات إلى نقص أدوية الضغط والأدوية القلبية؛ ما يؤدي إلى حدوث احتشاء قلبي أو دماغي، من جرّاء ارتفاع ضغط الدم، وقال في هذا المجال: “هؤلاء أصيبوا بهذا القصور القلبي، بسبب عدم توفر دواء ضغط الدم الروتيني، وأعمارهم بين 40 و50 عامًا، وتشكّل وفاتهم، وقعًا سلبيًا كبيرًا على عائلاتهم”، مؤكدًا أن “قوافل المساعدات الطبية الأممية لا تركّز نهائيًا على علاجات هذه الأمراض، ويكون تركيزها بالمجمل على الأمراض العضال”.

في الشأن ذاته، قال أحمد الحر من (مركز إنقاذ روح للأمراض الإنتانية) في الغوطة الشرقية، وهو المركز الوحيد من نوعه بهذا الاختصاص، لـ (جيرون): “يستقبل المركز شهريًا مئات الحالات، غير أن الأطباء في المركز غير قادرين على مساعدة المرضى، بسبب النقص الكبير في الأدوية والمستهلكات العلاجية، ويقع الأطباء حاليًا في مواقف محرجة مع أهالي المرضى، الذين لا يجدون الأدوية التي كتبها الأطباء، لا في الصيدليات ولا في المراكز الطبية، ما يدفعهم إلى إعادة النظر بالوصفات المطلوبة، والبحث عن بدائل في ظل تناقص كل الأنواع”.

من جانب آخر، شدد الطبيب محمد كتوب من (سامز) على تعقيد المشهد الطبي في الغوطة بشكل عام، بالنسبة إلى المرضى والأطباء على حدٍّ سواء، وقال لـ (جيرون): “تنخفض القدرات التشغيلية للمستشفيات والنقاط الطبية، يومًا تلو الآخر، وتتراجع القدرة على توفير المسكّنات والمضادات الحيوية والجرثومية. المصابون بالأمراض البسيطة والالتهابات يشفون، في أي بقعة من بقاع الأرض إلا في غوطة دمشق التي سجّلت أخيرًا عددًا من وفيات الأطفال، بسبب عدم توافر هذا النوع المتواضع من العلاج”.

أضاف كتوب: “نحن نلوم دائمًا النظام، ولا شكّ أنه الجهة الأولى المسؤولة عن كل هذه المآسي والفجائع، لكن الأمم المتحدة شريك أيضًا في هذا الحصار، ونحن -الطواقم الطبية- نعلم أنها قادرة على الوصول، وإدخال كميات كبيرة من الدواء، لكنها –للأسف- متواطئة مع النظام، وما المدخولات الطبية الأممية الهزيلة والشحيحة إلا بهرجة إعلامية”.

جدير بالذكر أن الحالات الخطِرة، في الغوطة الشرقية، الذين يحتاجون إلى إخراج عاجل إلى دمشق، ويراوح عددهم 572 مريضًا، أكدوا في الاستمارات التي ملؤوها مؤخرًا، في أثناء تقديم طلبات الخروج، أنهم “لا يودوّن البقاء في دمشق، ويرغبون في العودة إلى الغوطة المحاصرة، بعد تلقّيهم العلاج”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق