أدب وفنون

عصيان شاعر: “فصل خامس للرحيل”

 

محمد ناصر الدين، اسم بلون فاتح يتصدر غلافًا أبيض من القطع المتوسط، تحته تمامًا يقع، بخط أسود عريض وكبير، (فصل خامس للرحيل)، شعر، وضمن مستطيل في منتصف الغلاف لوحة للفنانة آني كوركدجيان: عشرة شخوص، تسعة منها تحتار في ما بينها، بإيحاءات وجوهها وانطباعاتها المتسائلة، في محاولة مساعدة الشخص العاشر الذي يستلقي بينهم على الأرض ملفوفًا بكفن، ويداه حرتان، يمسك بإحداها شخوصًا عدة، والأخرى تسقط على الأرض مستسلمة للمآل. (فصل خامس للرحيل) الصادر عن دار النهضة العربية، 2017، هو رحيل حسم أمره من لحظة الغلاف، من سطح الدلالات للمشهد البصري، بانتظار العمق الذي يعدنا به الشاعر، من خلال القصائد.

تبدو روح سيوران حاضرة، منذ افتتاحية الكتاب الذي ينتقل إلى القصيدة الأولى بعنوان (مثالب الولادة) عتبة العنوان تفتتح ولادة ما، ربما يعلن ويبرر بها الشاعر سبب ولادته، من خلال فصل للحياة، مخالفًا بها لحظة الرحيل، أو ليبرر بها البكاء، فهو يبدأ بروي أسطورة العجوز الروماني، العجوز نفسه الذي مكث في مثالب الولادة لسيوران، الذي يشرح معللًا سبب البكاء للأطفال، عندما يخرجون من الأرحام؛ يقول “فلنستمع إليه ولو لمرّة وحيدة” أي للبكاء، فهو يقرأ كنهه، كان يريد أن يكون عصفورًا، ثم قطة، لكن ثمّة صوت يقول له، “لا”، فيخيره بين أربعة خيارات صادمة: “الغول، الذئب، العنقاء، والطيار الأشقر فوق هيروشيما”، فالخيار المريح من هذا الكابوس هو “أيها العجوز الروماني، أريد أن أشهق بالبكاء”.

منذ أول نص شعري، يضعنا الشاعر أمام لغز، لكنه يعمل معنا لإيجاد الحل بسرد القصة فهو الراوي، الناقل لقصص الحياة، يستخلصها من الأفواه الحكيمة، ومن التجارب، ليرسم بها حلولًا لأسئلة مبهمة: لمَ البكاء لحظة الولادة! يلتقي تشاؤم سيوران مع تشاؤم الشاعر، من خلال السيميائية الفلسفية نفسها.

يتخلل المجموعة الشعرية لقطات فوتوغرافية مطبوعة باللون الأبيض والأسود، على صفحتين متناظرتين أمام بعضهما البعض، لا تخلوان من إيحاءات السهل الممتنع، كما هي حال نصوص ناصر الدين، تحتاج إلى فراسة وقراءة ثانية، حتى تخلُص إلى القصة التي يبرع بسردها، كسمة شعرية واسمة يمتاز بها، ثمّ يختمها بقفلة ينهي بها القصيدة على شكل صادم، لتترك المتلقي مشدوهًا.

ينقل الشاعر المشهدية البصرية للحياة بتفاصيل غريبة، فثمة نص في المجموعة، يتحدث فيه عن المشافي، ولا ننسى أن ناصر الدين يحمل شهادة دكتوراه في الهندسة الطبية، لذلك، لا نستبعد وجود المشفى في مجموعته الخامسة، تحدثه عن كيفية سبرها لعظام الجماجم، وترتيبها حسب الخيبات العاطفية، ثمّ يصِف الغرفة رقم 104، التي يدعون بها اسم المريض القاطن (وهي عدد صفحات الكتاب) والتي يحاول بها الشاعر النجاة من الرحيل. ليختتم المقاطع التسعة الدائرة في المشفى بظلال معافاة:

“المصابون بالتلاسيميا

حائرون تمامًا

أمام ظلالهم السليمة”.

يعود الشاعر إلينا بحالة مرضية، لكنها خارج المشفى، وهي مرض غريب يتبدى بين الكلمات، فلديه من الحساسية الشديدة ليجعل نفسه يسمع ثورة الكلمات القليلة التي تُستبعد من القصيدة، والتي يضعف وجودها النص، وتضعه بين الشك واليقين، وترهق منهجية الكتابة والتلقي، مثل:

“قد الصغيرة

أو صفة المضيئة

تستحيل جيشًا من العسس”.

فهي تحاول الانتقام. لذلك، أيها الشعراء، احذروا غضبها، وأعيدوها إلى القصيدة، قبل أن تنتقم منكم لوجودها.

يقرع جرس في قصيدة تالية، يقرع ويصمت، يصمت ويقرع، الجرس عند ناصر الدين يظن نفسه قلبًا. عين الشاعر في كثافة المغزى البصري تحتال لتعّبر عن التقاطاتها التأملية من خلال الشعر في زمن الحركة السريعة للحياة وزمن الفوضى.

عصيان يعلنه الشاعر بصوت عالٍ، هو عصيان على نوح، عصيان على النبي، وعلى الذاكرة الجمعية والمثل العليا والقيم النخبوية المنقذة للحياة، عصيان من خلال أغنية:

“أغنية الطوفان

طوفان الشعراء أكثر رقة يا نوح،

لا غابة نفني أشجارها بفؤوسنا

لنصنع الفلك

ولا ولد نتركه للقرش فوق الجبل،

كلمة من هنا،

وكلمة من هناك

نقدحهما ببعضهما كأحجار الصوّان الناعمة

فتطوف الأرض بالنار العظيمة،

نسحب من بعدها

اسمًا أو اسمين على الأكثر من الرماد:

فليكن نيرودا مثلًا، أو لوركا”.

طوفان الشعراء هو كلمات تصطك بأجساد بعضها، لتصنع “هارموني” تُغرق الأرض.

في نص استعار الشاعر اسم الكتاب منه (فصل خامس للرحيل) يتوسط المجموعة الشعرية، يرى الشاعر جسده ما بعد الموت، وقد استحال إلى وردة يتحسس مكوناتها الحية من عموده الفقري، تنتصب أمام بستاني، ويترك لها التراب لتحيا. أمّا إيحاء فصل في الجحيم لرامبو فهو “ما يفعله الموتى في الأسفل” أشبه باحتفالية العيد، بعد أن ينفضوا عنهم غبار الحفر التي يحفرونها كنمل، استعدادًا للقاء الأهل الزائرين.

“يحفر الموتى مثل النمل

مدنًا بأكملها في الأرض

يحوّلون الجموح القديم إلى حكمة صامتة،

على الموتى أن يكونوا بكامل أناقتهم

حتى يحضر ذووهم في العيد”.

ما يزال الشاعر يوقظ الموتى من الأطفال، ليجدوا أجوبة عن الحرب التي لا حلّ لها، يوقظون الضوء، يراقبون التغير الذي أصاب البشرية في ضميرها المسحوق، ما يؤكد أنها الجيل الخامس للقرد، حسب دارون، لا يخرجون من البهيمية والغريزة في التفنن بالحروب والقتل.

وفي مقطع عميق التأمل، نجد محمد ناصر الدين يرى من عيون غيره، متمردًا كشاعر على ما علمته إياه البشرية، ليتفرس في وجوديته؛

“يرسم فان غوغ غيمة فوق الشجرة

يُخرج الصياد عصفورًا من قلب الشجرة

يقلع الرياضي جذرًا تكعيبيًا من تحت الشجرة

يغرز الحطاب فأسه في كعب الشجرة

الشاعر فوق/ تحت/ كعب/ قلب الشجرة”.

في هذه المجموعة نقف أمام 41 نصًا شعريًا، عناوين النصوص غالبًا ما تكون من كلمة واحدة، هي فحوى النص. نصوص تراوح بين القصر أقرب إلى نصوص الهايكو، ونصوص طويلة تأتي على عدة مقاطع. كما يخصص الشاعر فصلًا آخر في الكتاب للحيوانات، على خلاف فصل الرحيل؛ عبارة عن حيوانات أليفة تتمثل بعناوين النصوص؛ جروان وسلحفاة، سمكة، عصفور، وأمّا عن الحيوانات المفترسة؛ تمساح، ذئب، دب.

“الدب

أستفيقُ يا فان غوغ

فأرى العالم أصفر

أو أكثر شحوبًا

كأنّي أسكن فرو الدّب”.

نرى أن الشاعر متأثر بثيمات عديدة في الفنون والعلوم قاطبة من فرنسا وغيرها، وتحضر أسماء كالفنان فان غوغ، والشاعر لوركا، والفيلسوف نيتشه، والروائي الفرنسي أناتول فرانس، وعالمة الفيزياء والكيمياء البولندية ماري كوري، والفيلسوف الألماني أدورنو، والفنان التشكيلي الأميركي بيتر بلوم، وآخرين. وثمة حضور لمفردة “الغودو” لعبة السحر، والتي قلّما تشتهر بها بلداننا، لكن لها أصداء في فرنسا حيث كان يتعلم الشاعر العلوم الطبية، وقد نجد مفردات حديثة تتضمن النص الشعري؛ “باربي، الفيس بوك، لايك”.

تفاصيل دقيقة تعبّر عن حساسية الشاعر، والتقاطاته البصرية لها، معبّرًا عنها بلغة مركّزة وبدقة عالية لاستخدام المفردات، بمهنية سردية على طريقة الحكواتي، أو المشاهد السينمائية التي تختزل للمتلقي مشهدًا بصريًا صامتًا، وتتركه مشدوهًا، فالشاعر يلعب على ثقافة المتلقي البصرية العالية، باعتبار أن الحركة السريعة للحياة لا يلتقطها سوى متأمل حذق، خاتمًا مجموعته بعنوان:

“خاتمة

حسنًا أيتها الحياة:

لو عشنا وحيدين

أو تزوجنا للأبد

كلّنا مطلقون”.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق