مقالات الرأي

الجهاديون والأسلحة: اهتمام الصين المتجدد في سورية

وفقًا للتقارير، نشرت الصين قواتها الخاصة: “النمور المظلمة”، لدعم الدكتاتور السوري بشار الأسد. هذا الانتشار الجديد يزيد من عدد القوات الصينية الموجودة على الأرض السورية، حيث أُرسلت هذه المجموعة، لتدريب قوات النظام السوري على استخدام أنظمة الأسلحة الصينية الصنع، ويشكّل هذا الانتشار الجديد تحولًا في سياسة “النأي بالنفس” لبكين، ويمكن اعتباره جزءًا ممّا وصفه المعلقون بـ “المحور العربي الصيني”.

منذ عام 2016، زادت الصين باطراد اهتمامَها بالدول العربية، حيث ذهب رئيس الوزراء: إكسي جينبينغ، إلى مصر والمملكة العربية السعودية وإيران، ونشر “ورقة السياسة العربية” التي تُوضّح نهجًا إقليميًا جديدًا أكثر عدوانية، وتمّ تعيين مبعوث عسكري خاص رفيع المستوى: شيه شياويان، في دمشق.

على الرغم من تدخّل الصين في سورية، والذي يبدو سطحيًا، ضدّ المصالح الأميركية، فإنّه لا يمكن إخفاء الدوافع الأعمق التي تشير إلى انعدام الأمن القومي والاقتصادي لديها، إذ تُعدّ المُحَرِّك الأساسي للسياسة الصين الخارجية.

كان للصين، منذ فترة طويلة، يدٌ خفيةٌ تدعم النظام السوري؛ إذ استمرت العلاقات التي بُنيت في الثمانينيات من قِبل حافظ الأسد، طوال العقدين الماضيين. واتُّهمت الصين منذ فترة طويلة، بدعم البرنامج النووي في سورية، إضافة إلى توفير قواعد لصواريخ بعيدة المدى، وبنى تحتية لمضادات الطائرات وبرامج تطويرية أخرى. واستمرت العلاقة في عهد بشار مع زيارة شخصية للصين في عام 2004، حيث أشاد بالصين كصديق مقرب لسورية، ورحّب بالاستثمارات الصينية في البنية التحتية الاقتصادية والعسكرية. في الواقع، حتى اندلاع الصراع في سورية، وصلت قيمة التعاملات الاقتصادية إلى 2.2 مليار دولار، ويعود ذلك إلى حدّ بعيد إلى عمليات شراء السلع المصنعة الصينية.

على الرغم من حفاظ الصين على سياسة “النأي بالنفس” وموقفها الحيادي تجاه مستقبل سورية، فإنّها ظلت تعتمد -منذ بداية الصراع- على استمرار هذه العلاقات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية. وإلى جانب الدعم العسكري المستمر، أرسلت الصين في عام 2016 نحو 300 مستشار عسكري وطبيب ومهندس إلى دمشق، بالمقابل استضافت سورية عددًا من الوفود العسكرية الصينية، مركّزةّ على زيادة المساعدات العسكرية. وشوهدت سفن حربية صينية في ميناء طرطوس، حملت طائرات صينية وشحنات قطع غيار لقوات بشار التي عفا عليها الزمن.

علاوةً على ذلك، أيّدت الصين العملَ العسكري والدبلوماسي الروسي في سورية. حيث أشاد المبعوث الصيني إلى سورية: شيه شياويان، بالتدخل الروسي، معتبرًا حملاتها الجوية “جزءًا من الجهد الدولي لمكافحة الإرهاب”، على الرغم من وجود دليل على أنّ الضربات استهدفت بصورة كبيرة البنية التحتية للبلاد، مع إطاحة الخصوم السياسيين للنظام. كما استخدمت بكين صلاحياتها في مجلس الأمن الدولي، لدعم الجهود الروسية لحماية الأسد. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر، استخدمت حق النقض السابع ضدّ اقتراحٍ بمساءلة الأسد عن الفظائع التي ترتكبها قواته من جراء استخدام الأسلحة الكيميائية.

لعلّ هذا الاهتمام المتجدد بسورية يعود إلى وجود ما يُقدر بـ 5000 من “الأويغوريين” المقاتلين في سورية، بمن فيهم أعضاء الحزب الإسلامي في تركستان الشرقية، وهي مجموعة إسلامية تدعو إلى الانفصال عن الصين. وباعتبارهم من السّنة الناطقة بالتركية، فإنّ الأويغور سعوا منذ فترة طويلة إلى حكم ذاتي، وترى بكين أنّ ازدياد أعدادهم في سورية سيشكل تهديدًا أمنيًا وطنيًا بارزًا لها في المستقبل. وكانت تركيا منذ فترة طويلة قد دعمت المتطرفين الإسلاميين في “شينجانغ”، وفي ضوء ذلك، يمكن اعتبار التصعيد الأخير في الوجود العسكري الصيني جهدًا لمكافحة النفوذ التركي المتزايد في مناطق نشاط الحزب التركستاني الإسلامي في إدلب.

مع اقتراب انتهاء الصراع في سورية؛ يتزايد قلق الصين، شأنها في ذلك شأن العديد من الدول في الغرب، من عودة المقاتلين الجهاديين الصينيين ومواصلة كفاحهم هناك، وهذا التهديد ليس وهميًا. في جميع أنحاء شرق آسيا، تعطّلت شبكات الإرهابيين المرتبطة بالجهاديين السوريين، من قبل قوات الأمن الماليزية والسنغافورية، وشهدت مدينة “مراوي” الفليبينية الاشتباكات الأكثر عنفًا، بين ميليشيات مدعومة من قبل تنظيم (داعش) والقوات الحكومية. وربّما تحرص الصين من خلال تدخلها في سورية على الدفاع عن الأمن الإقليمي في شرق أسيا، الأمن الإقليمي ذاته المُتَّهمةُ بزعزعته، من خلال مشروع بحر الصين الجنوبي.

غير أنّ المخاوف الأمنية هذه تخفي في طياتها طموحات الصين طويلة الأمد في الشرق الأوسط. إذ تُعَدّ سورية بلدًا ناضجًا في مجال استثمارات إعادة الإعمار، حيث تتنافس روسيا وإيران والهند والصين على عقود مربحة، لمشاريع إعادة الإعمار فيها. وتأتي هذه الحملة الاقتصادية بالتزامن مع إدراج سورية ولبنان، في مشروع “حزام واحد طريق واحد: (أوبور)”. وقد أكّد الأسد، في مقابلة مع التلفزيون الصيني في آذار/ مارس الماضي، أنّ الوفود الاقتصادية الصينية تناقش إعادة إحياء المشروع. وتَعُدّ الصين دمشقَ مفتاحًا للرخاء الإقليمي، وتحرص على تطوير العلاقات القائمة والعمل على الاستثمار في المجالات التي يمكن ربطها بالمكاسب الجيو-استراتيجية الصينية في المنطقة ككل. إنّ نجاح مشاريع، كمشروع “أوبور”، سيُقلّل من اعتماد الصين على واردات الولايات المتحدة مثل واردات النفط، وسيُقلّل بالضرورة من تكاليف التجارة البحرية ذات التعرفة العالية، إذ إن جميع ما ذُكر يُعدّ من أهم أسباب نقاط الضعف الاستراتيجية الرئيسية، في بكين.

لذلك، يمكن اعتبار التدخل العسكري الصيني الأخير محاولةً بسيطة لإحباط الجهود الأميركية لإسقاط نظام الأسد، وذلك من خلال قِتال جماعات جهادية تثور ضدّ حكومتها في الوطن. ومع ذلك، إذا أُلقي النظر في الأهداف الجيو-استراتيجية على المدى الطويل؛ فإنّ الصين لا تقوم بحماية حليفٍ إقليمي رئيس فحسب، بل تحمي أيضًا وصولها طويل الأمد إلى مصادر الأمن الاقتصادي القومي، تلك المصادر التي يُحتمل أن تكون في خطرٍ من عودة الحماية الأميركية مجددًا إلى أماكن أخرى من العالم.

 

اسم المقال الأصلي Jihadists and Guns: China’s resurgent interest in Syria
الكاتب ألكسندر أستون-وارد Alexander Aston–Ward
مكان النشر وتاريخه مركز حرمون للدراسات، برنامج الباحثين الزائرين الدوليين
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

 

مقالات ذات صلة

إغلاق