مقالات الرأي

قطع شأفة المستبد

 

تصفية الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، الإثنين الماضي، على يد الحوثيين الذين تحالف معهم، في مواجهة مسيرة الانتقال السياسي في اليمن، بعد خلعه من الرئاسة في فبراير 2012، بموجب المبادرة الخليجية، تفتح جدالًا واسعًا حول قضية الانتقال السياسي الممكنة اليوم في سورية، بشكل خاص. ومن شأن مناقشة هذه المسألة أن تتعارض فيها الأفكار والرؤى، وتختلف فيها مشروعات العمل السياسي، وإن تقاربت فيها الغايات الأساسية في تصورات بناء دولة المستقبل.

في كل مرة يجري الحديث فيها عن مفاوضات لتسوية الوضع، أو التوصل إلى حل سياسي، يضع حدًا للمجازر البشعة، والانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها النظام الأسدي، بحق السوريين منذ ستة أعوام، وما تزال مستمرة؛ تقف جملة من المعيقات التي تحول دون الدخول على نحو جدي في مناقشة قضية الانتقال السياسي، بشكل فعّال وجذري.

وعلى الرغم من إحداث التغيير في بعض دول الربيع العربي (ليبيا مثالًا)، فإن التطورات الدامية التي تلت سقوط الأنظمة، منعت الدخول في عملية الانتقال السياسي، بصورة سلمية، بسبب الصراعات المسلحة على السلطة، والسيطرة على الموارد، من جهة، وبسبب التدخلات الخارجية المؤثرة في إعادة البناء الوطني.

ثمة سبب آخر، يمكن سوق التجربة اليمنية كمثال، ويتمثل في استمرار وجود النظام السابق، مؤثرًا في بنية الدولة، والمجتمع. وقد لعب الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح، دورًا كبيرًا في الوصول إلى لحظة الحرب الأهلية الطاحنة، وتمكين إيران من التغلغل أكثر في اليمن. استمر النفوذ الكبير لصالح عبر القبائل والجيش وحزبه المؤتمر الشعبي العام، معيقًا بذلك عملية الانتقال السياسي التي تم التوصل إليها، بموجب المبادرة الخليجية.

كان ينبغي قطع شأفة المستبد، كي تنقطع وسائله ومصادر استمراره، وأدواته. في الحقيقة، ثمة شعرة قاصمة، بين أن يتم اجتثاث النظام الاستبدادي برمته، دون أن تكون هناك خطط للنهوض التنموي والسياسي تستوعب تداعيات التغييرات المحتملة، وبين أن يمنح النظام المستبد، باسم الديمقراطية، حقًا في استمرارية العمل، فيتمرد على المؤسسات الجديدة، ويعيق تنفيذ أي عملية انتقال سياسي. تجارب العراق واليمن، تونس ومصر، لكل منها خصوصيتها، ولكن في المجمل، لم تتحقق عملية انتقال سياسي ناجز بعيدًا من النظام المُنتفض شعبيًا عليه، الذي عاد بأسماء وأسمال جديدة. أو أن عملية الانتقال خضعت لرهانات الاقتتال والتيارات الإسلامية، والفوضى.

تجربة اليمن تعطينا -في الثورة السورية- درسًا شديد البلاغة، لجهة التمسك بمبدأ تغيير النظام الاستبدادي، وإزالة الطغمة الأسدية المتسلطة في سورية، بدءًا برحيل رمز تلك السلطة بشار الأسد، وتفكيك منظومات ارتكاز النظام، وتحرير مواقع صنع القرار السوري، من المستحوذين عليها باسم الشعب السوري.

استمرار النظام السوري، بأي صيغة سياسية، لن يكون في صالح التوصل إلى حل فعّال في سورية. وعلى النقيض من مطلب السوريين برحيل الأسد، تعمل موسكو على الإبقاء على المنظومة الأمنية السورية الحاكمة، مع استمرار الأسد، والعمل على إدخال تعديلات دستورية، من شأنها تلبية بعض المطالب غير الجوهرية، وتشكيل حكومة وطنية، في تجاوز واضح لعملية الانتقال السياسي المنصوص عنها، في قرار مجلس الأمن 2254 بشأن سورية، والذي يمرّ على صدوره عامان، دون أن يحدث أي تطبيق لبنوده.

في أوروبا، وأماكن أخرى من العالم، تسوق القوى الكبرى مجرمي الحروب، إلى المحاكم الدولية الخاصة، بغض النظر عن أحكامها، أو نهاياتها المأسوية. أما في الشرق الأوسط، وأفريقيا، فإن تلك القوى تلعب دورًا كبيرًا في دفع الاختلافات السياسية إلى أعلى درجاتها، ولا تدعم مطالب الشعوب بالحرية والتغيير، ولا يضيرها الانتقال نحو الحروب الأهلية الطاحنة، في الوقت الذي تمتلك فيه مقدرة على فرض الحلول والتسويات السلمية. في سورية، ارتكب النظام الأسدي مئات جرائم الحرب ضد المدنيين، لكن النظام الدولي لم يعجز عن إدانته وجره إلى المحاكم المعنية، فحسب، بل يشارك في التغاضي عن جرائمه، وفي إعادة تأهيله.

استمرار النظام في سورية، في ظل أي تسوية، هو إعادة إنتاج للحروب الطاحنة، وتعزيز لعملية استمرار الفوضى، ولن يتحقق أي استقرار؛ ما لم يتم إقصاء الأسد وطغمته الاستبدادية، عن المشهد السوري بصورة تامة، وإلا؛ فإن التجربة اليمنية سوف تلقي بظلالها، ويبقى الأسد، مصدرًا لعدم الاستقرار، ومانعًا لإنجاز أي حل، أو انتقال سياسي جذري في السلطة وإدارة المجتمع.

لقد التزم النظام السوري الصمت، حيال مقتل صالح. حدث لا يريد النظام مقاربته في ظل السعي المحموم، منذ صدور وثيقة (جنيف1)، لتجنب الخوض في مسألة مصير رأس النظام بشار الأسد. ولعل الحدث الذي ترافق مع جولة مفاوضات جنيف الثامنة، سوف يشكل قلقًا ينبئ عن مصير محتمل للأسد، مشابه لمقتل صالح، وربما على أيدي حلفائه الإيرانيين، أو الروس، أو أتباعه. وربما لن يتأخر موكب الأسد عن اللحاق بالقذافي وعلي صالح.. بصورة جديدة تضاف إلى ألبوم صور مقتل الديكتاتوريين الذين أحرقوا بلادهم أحياء وأموات!

مقالات ذات صلة

إغلاق