مقالات الرأي

وللسوريين أيضًا أولوياتهم

 

الوضع السوري بكل أبعاده يمثّل حالة غير مسبوقة، سواء من جهة حجم القتل والدمار والتشرد، والمشكلات الاجتماعية والإنسانية، بكافة أسمائها ومستوياتها؛ أم من جهة التعامل الدولي اللامعقول معه، بالرغم من كل الكوارث والفظاعات.

إلى جانب ذلك كله، هناك تدخل دولي وإقليمي في الشأن السوري -ميدانيًا وسياسيًا- قلّ نظيره في أي وضعية أخرى؛ فعلى الأرض هناك قوات روسية وأميركية وإيرانية وتركية، وميليشيات متعددة الجنسيات والمذاهب والقوميات والتوجهات. أما السماء السورية فهي في المقابل مزدحمة بالطائرات الروسية والأميركية، والإسرائيلية من حين إلى آخر؛ إلى جانب طيران النظام الذي يستهدف الأفران والمشافي والمدارس والمدنيين السوريين.

ولكن الذي يستوقف أكثر من غيره هو غياب السوريين الفاعل عن المشهد، واقتصار دورهم على الواجهة التي تغطي التوافقات الإقليمية والدولية، المستندة إلى حسابات لا يُعدّ المصير السوري -بالنسبة إليها- سوى ورقة من أوراق الضغط والمناورة، من أجل تحسين شروط الصفقات الخاصة بأولويات كل طرف.

ما يجري راهنًا -بغض النظر عن مكان الاجتماعات وأسماء المشاركين فيها ومواقعهم- يندرج بجملته في خانة المساعي الدولية–الإقليمية؛ من أجل الوصول إلى توافقات حول سورية ودورها المستقبلي، ولكن بما يتكامل مع أولويات الجهات الراعية أو الداعية، في المقام الأول.

ونحن، إذ نقدّر هواجس الجميع وأولوياتهم ونتفهّمها، نرى أن لشعبنا هو الآخر أولوياته الوجودية التي لا تعادلها -بالنسبة إلينا- أي أولويات أخرى. ولكن المشكلة أنها أولويات تفتقر إلى الحامل السياسي الذي كان من المفروض أن يعبّر عنها، ويدافع عنها، ويتخذ منها همه الأساس، وشغله الشاغل، في سياق تفاعله مع مختلف الجهود الدولية والإقليمية المتمحورة حول سورية.

وقد تنبّهنا إلى هذا الأمر مع بداية الثورة، وكان موضع قلقنا الدائم. وكانت تجربة المجلس الوطني السوري محاولة لتجاوز تبعات واقع عدم وجود أحزاب سياسية قوية، قادرة على وضع البرنامج السياسي للثورة، وخارطة الطريق. وقد تمكن المجلس المعني -على الرغم من عمره القصير، والإمكانات المتواضعة، والهجوم غير المعقول عليه من مختلف الجهات- من طرح فكرة مشروع وطني سوري، بهدف أن يكون أساسًا لدولة مدنية ديمقراطية تعددية، تكون بكل السوريين ولكل السوريين، على أساس احترام الخصوصيات والحقوق، ومن دون أي تمييز، باعثه الدين أو المذهب أو القومية أو الجنس أو الفكر.

ظل المجلس -الذي كان، مقارنة مع كيانات المعارضة اللاحقة، منتوجًا سوريًا، في المقام الأول- متمسكًا بثوابت الثورة، مدافعًا عنها، على الرغم من الضغوط من جانب مجموعة أصدقاء سورية التي اعتقدنا بأنها ستكون حريصة على أمن وسلامة شعبنا، وستساعده من موقع القادر في إنجاز عملية الانتقال السياسي بأقل الخسائر الممكنة؛ الأمر الذي كان من شأنه المحافظة على سورية موحدة أرضًا وشعبًا، في ظل نظام عادل، يفسح المجال أمام الجميع للمشاركة في القرار السياسي، والتمتع بكامل الحقوق بعيدًا من أي تمييز أو امتيازات.

لعلّ من نافل القول هنا، أن نشير إلى أن نظامًا كهذا كان من شأنه أن يكون ركنًا أساسيًا من أركان الحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليميين. ولكن الذي تبيّن لنا لاحقًا، تمثّل في تناقض الإرادات الدولية والإقليمية مع تطلعات السوريين. ولذلك كان الضغط الهائل من مختلف الجهات لتجاوز المجلس، وتشكيل الائتلاف، تحت شعار توسيع قاعدة التمثيل؛ الأمر الذي ظهر لاحقًا أنه كان الخطوة الحاسمة على طريق تفتيت وحدة المعارضين السوريين، عبر إرباكهم بقضايا لا تخدم قضيتهم المركزية الأساسية.

ونحن لا نذيع سرًا، إذا أشرنا إلى العملية القيصرية التي فُرضت على الائتلاف تحت اسم التوسعة، في صيف عام 2013، تلك العملية التي أثبتت، بالدليل القاطع، أن القرار السوري المعارض بات رهين حسابات القوى الإقليمية والدولية.

ولم تتوقف العملية عند هذا الحد. بل ظهرت المنصات بأسمائها المختلفة، وأصبحت روسيا من أكثر الداعين إلى مشروع “توحيد المعارضة”. وقد تمكنت -نتيجة السلبية الأميركية، وانشغال القوى الإقليمية بحساباتها الحيوية- من فرض وجهة نظرها؛ فكان مؤتمر (الرياض1)، ثم (الرياض2)، ولكن يبدو أن كل ذلك لم يمكّن الروس من تفصيل الأمور وفق رغبتهم، لذلك فهم يعدون العدة راهنًا لجولة أستانية جديدة؛ ربما يعقبها اجتماع موسع في سوتشي الذي سيكون بمثابة التتويج السياسي للمباحثات الميدانية التي كانت في أستانا، وهي الاجتماعات التي أدت إلى شل العمل الميداني المعارض، وجعلت الروس والإيرانيين من الضامنين لما أطلقوا عليها تسمية مناطق “خفض التصعيد” أو التوتر، الأمر الذي أتاح للنظام وحلفائه التمدد في مناطق أخرى، مثل دير الزور والبوكمال.

إن التمعّن المسؤول في كل ما آلت إليه أوضاع المعارضة السورية، يؤكد أنها -في صيغتها الحالية- غير مؤهلة، وغير قادرة على القيام بما هو مطلوب منها، كما ينبغي، وتحمّل أعباء مواجهة كل التحديات. فهي منقسمة على ذاتها، تفتقر إلى حرية القرار، والقدرة على التنفيذ.

وما زاد الطين بلة، إذا صح التعبير، انسحاب الكثير من القوى الشبابية والشخصيات الوطنية والفعاليات المجتمعية من المشهد، لإدراكها أنها مجرد واجهة لتمرير المشاريع الإقليمية والدولية.

ما يستنتج من المعطيات الراهنة هو أن هذه الوضعية ستستمر، بل سيكون هناك المزيد من الانهيارات والتصدعات ضمن أجسام المعارضة؛ ما لم تتخذ خطوات جادة متأنية، بعناية شديدة، لتشكيل نواة صلبة تؤمن بالمشروع الوطني السوري، تمتلك الصدقية بين أوساط واسعة من شعبنا، بمختلف مكوّناته، لا تتطلّع إلى المناصب والصفقات البهلوانية. ومن ثم تكون هذه النواة محورًا تتمركز حوله جهود الشباب السوري الذين كانت الثورة بهم ومن أجلهم، قبل أن تبعدهم الانعطافات والانحرافات عنها، لا سيما بعد العسكرة العشوائية، ومن ثم هيمنة الاتجاهات المتشددة على الميدان.

لدينا اليوم طاقات شبابية هائلة، من مختلف الاختصاصات، في الداخل والخارج، طاقات امتلكت خلال السنوات المنصرمة خبرة سياسية كبيرة، واتسعت المساحة المعرفية لديها، عبر اطلاعها على أحوال مختلف المجتمعات، وإتقان اللغات، وبناء العلاقات مع منظمات المجتمع المدني والمؤسسات المعنية بقضايا حقوق الإنسان، في مختلف أنحاء العالم. وقد توصلت، بناء على كل ما حصل، إلى قناعة تامة بعقم المشاريع الإسلاموية المتشددة، والقوموية الانعزالية الحالمة، هذا إلى جانب رفضها القطعي للاستبداد والإرهاب، وهي ترى أن الخلاص يتمثل في المشروع الوطني السوري الذي يُطمئن الجميع، عبر احترام الخصوصيات والحقوق. كل ما نحتاج إليه هو تأطير هذه الطاقات، وخلق حالة من التواصل والتفاعل المثمر بينها، لتمارس مهامها من موقع القادر المؤهل. وكل ذلك لن يتحقق من دون جهود خبيرة طويلة النفس، يبذلها سوريون يضعون مصلحة شعبهم وبلدهم، في مقدمة قائمة أولوياتهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق