تحقيقات وتقارير سياسية

بيان من صالون الجولان في مركز حرمون حول الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لـ ”إسرائيل”

كان إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في 6 كانون الأول/ ديسمبر 2017، اعتراف بلاده بمدينة القدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وطلبه نقل السفارة الأميركية إليها، آخر مرحلة من محاولات “إسرائيل” على هذا الطريق، والتي بدأت منذ عام 1948.
1- كانت القدس بين عامي 1948 – 1967 مقسومة إلى شطرين، وكان شطرها الشرقي تحت السيطرة الأردنية، وشطرها الغربي عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وفي عقب حرب حزيران/ يونيو 1967 احتلت “إسرائيل” الشطر الشرقي، وفي يوليو/ تموز عام 1980 أقرّ الكنيست “قانون أساس القدس- عاصمة إسرائيل” الذي جرى بموجبه ضمّ القسم الشرقي وإعلان القدس عاصمة لـ “إسرائيل”.
لكن المجتمع الدولي لم يعترف آنذاك بإعلان سلطات الاحتلال، إذ رفضه مجلس الأمن وأصدر القرارين 476 و478 اللذين يؤكدان مخالفة “إسرائيل” للقانون الدولي، ويطالبان بإنهاء احتلال الأراضي العربية، ويندِّدان بتجاهلها للقرارات الدولية، ومنها القرار 242 لعام 1967، واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949. وكانت الولايات المتحدة الأميركية إحدى الدول التي لم تعترف بالخطوة الإسرائيلية، وأبقت قنصليتها في مدينة القدس، في حين قررت دول كثيرة نقل ممثلياتها في غرب القدس إلى “تل أبيب”.
في عام 1990، نصّ قرار للكونغرس الأميركي على نقل السفارة الأميركية من “تل أبيب” إلى القدس المحتلة، وبعدها بخمس سنوات، أي في عام 1995، في عهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، صدر عن الكونغرس قانون (نقل السفارة الأميركية)، الذي تنكّر لتاريخ القدس والسيادة الفلسطينية. تضمّن القانون ثلاثة بنود؛ الأول أن تبقى القدس موحدة غير مجزأة، والثاني الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لـ “إسرائيل، أما البند الثالث فيلزم الإدارة الأميركية بنقل السفارة الأميركية من “تل أبيب” إلى القدس في أي وقت ملائم يحين. وأجاز القانون إمكانية تأجيل هذه الخطوة ستة أشهر كل مرة، بناءً على طلب مسبق يقدمه الرئيس الأميركي إلى الكونغرس، بداعي حماية مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة. لكن هذا القانون لم يُنفذ على الرغم من أن الرئيس الأميركي، جورج بوش الابن، وقّع في أيلول/ سبتمبر 2002 قانون “القدس الموحدة” الذي أقره مجلس الشيوخ الأميركي.
كذلك، نصّ اتفاق “أوسلو” في مضمونه على التزام عدم المساس بوضع مدينة القدس، وتأجيل بحثها إلى ما يسمى بمفاوضات الحل النهائي.
2- يحاول ترامب كسب دعم المحافظين من خلال هذا القرار، فضلًا عن تحقيق مجد شخصي، لكن لا شك في أن الأحوال السياسية في المنطقة، في عقب موجة الربيع العربي، قد ساعدته في اتخاذ قراره، إضافة إلى أنه، على الأغلب، قد كسب دعمًا وتأييدًا من دول عربية ثقيلة ووازنة.
سدّد ترامب ضربة قوية إلى النظام الدولي والعربي، بقرارٍ ظاهره نقل سفارته إلى القدس، وباطنه القضاء النهائي على فرص قيام دولة فلسطينية سيدة ومستقلة؛ فقراره يهدف إلى فرض سياسة أمر واقع على خيار المفاوضات المتوقفة بين “إسرائيل” والسلطة الفلسطينية منذ نيسان/ أبريل 2014، بعد رفض “إسرائيل” وقف الاستيطان، والإفراج عن معتقلين قدامى داخل السجون، والقبول بحل الدولتين على أساس حدود 1967، ويمكن أن يقود القرار إلى مزيدٍ من التنازلات لمصلحة “إسرائيل”، في ظل تغول اليمين الإسرائيلي المتطرف، واقتصار الفعل العربي على الإدانة والشجب.
وتهدف “إسرائيل” إلى استغلال الأوضاع العربية والدولية الحالية لحصد مزيدٍ من المكاسب على حساب حقوق العرب في أرضهم ومكانتهم فيها، ولا نعتقد أنها ستقف عند هذه الحدود، فهي تعمل أيضًا من أجل الحصول على اعتراف دولي بضمّها للجولان المحتل، خصوصًا مع معرفتها بعدم وجود رغبة في/ أو قدرة على الرد لدى النظام السوري، بحكم أن أحد مرتكزات قوته واستمراره، طوال نصف قرن، هو قيامه بدوره الوظيفي في المنطقة المتوافق، موضوعيًا، مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي.
على العموم، إن اعتراف أميركا بالقدس عاصمة لـ ”إسرائيل” ونقل السفارة إليها، ليس مفاجئًا؛ فالولايات المتحدة تمارس سياسة موالية لـ ”إسرائيل” منذ عام 1948، وتتغاضى عن تجاهلها للقرارات الدولية، وممارساتها العنصرية، وتدعمها بالسبل كافة.
3- لعل الأهم هو قراءة ما يعكسه القرار الأميركي من أحوال العرب والأنظمة العربية؛ فهو يؤشر إلى مدى الضعف الذي وصلت إليه الدول العربية في المرحلة الراهنة، ما جعل الولايات المتحدة و”إسرائيل”، ودولًا أخرى مثل إيران، تتمادى في العدوان إلى مستويات فائقة وخطرة، خصوصًا مع معرفتها بردات الفعل الأقصى للأنظمة العربية المتمثلة بإصدار بيانات الشجب والاستنكار، بل إن أغلبيتها لا تستطيع حتى رفع صوتها في مثل هذه المناسبات.
تتجلى مظاهر هذا الضعف في عمق التدخلات الخارجية، وفي سيطرة دول كبرى وإقليمية، كروسيا وإيران، على عدة عواصم عربية، مثل بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، وفي انتشار القواعد الأميركية في المنطقة، والسيطرة الأميركية على اقتصادات عدد من الدول العربية، وفي انتشار التطرف الديني والتعصب الطائفي والانقسامات العرقية والعشائرية، وتخلف البنى الاقتصادية والاجتماعية، وتدهور أوضاع حقوق الإنسان والحريات، وغيرها.
إن أساس الضعف هو الأنظمة الاستبدادية والفاسدة التي لم تتورع عن فعل أي شيء ضد شعوبها ودولها للبقاء في السلطة؛ فلجأت إلى كبت الحريات وعممت الفساد وأفقرت الناس، ومارست ضدهم القتل والتعذيب والاعتقال والتشريد وتدمير المدن، فضلًا عن استجلابها للمحتلين والميليشيات المتطرفة والطائفية من كل حدب وصوب، خصوصًا النظام السوري؛ لتتحول شعوب المنطقة إلى سديم بشري مهمل غير قادر على الفعل، وهي التي يفترض بها أن تكون مرتكز وعنوان وصُلب أي مقاومة حقيقية ضد الاحتلالات والتدخلات والانتهاكات الخارجية، بدلًا من “المقاومات” المذهبية التي لم تنتج إلا حروبًا أهلية في المنطقة.
4- ما زالت هزيمة المنطقة وشعوبها أمام أميركا وروسيا وإيران و”إسرائيل” تتعمق وتتكرس وتتغذى بفعل الأنظمة العربية التي هيأت باستمرار مناخًا وأرضية ملائمين لولادة هزائم جديدة؛ تلك الأنظمة التي انحدرت إلى أسفل سافلين، وانكشف جوهرها عن بنى مغلقة ومتخلفة ومتوحشة، حتى بتنا بفضلها لا نمتلك أي حصانة تجاه الخارج من أي نوع ومستوى، وإلى زمن غير معلوم.
يقينًا إن من يهزم شعبه غير معني بالتأكيد بهزيمة الأعداء، ولطالما كان الطغاة خير من يعبدون الطريق أمام المحتلين والغزاة.
5- ندين بأشد العبارات القرار الأميركي، وداعميه ومؤيديه، في السر والعلن، من الأنظمة العربية، وندين دولة الاحتلال الإسرائيلي والمتواطئين معها، ونرى أن “إسرائيل” ستبقى قوة احتلال، ولن يستطيع ترامب أو غيره نزع هذه الصفة عنها، كما لن يستطيع المجتمع الدولي بكليّته الإقرار قانونيًا بأن القدس لم تعد جزءًا من الأراضي المحتلة، فهناك عشرات الاتفاقيات والقرارات الدولية التي تتحدث عن احتلالها، وهي قواعد راسخة في القانون الدولي تقوم على مبدأ يحظر الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة.
يعلمنا التاريخ أن معارك الشعوب مع محتليها وجلاديها هي معارك مفتوحة إلى أن تحقِّق أحلامها في الاستقلال وبناء دولها الوطنية الديمقراطية، وهذا معناه أن هناك مسؤولية كبرى تقع على عاتق النخب السياسية والثقافية والمدنية والشعبية في المنطقة، إن كان لجهة التزامها النضال ضد ثنائية الاستبداد والاحتلال في دول المنطقة كافة، أو لجهة إعادة تنظيم نفسها وخطابها وبرامجها وأدائها استنادًا إلى الاستفادة من التجارب السابقة، وبهديٍ من قيم الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الشعوب واستقلالها.
تحية للشعب الفلسطيني الذي تحمل التشرد واللجوء والقهر داخل فلسطين وخارجها، وظل رافعًا رأسه مطالبًا بحقوقه.
تحية للشعب السوري الذي يعيش على أرضه أو في منافيه متحملًا ظلم وعسف الأقربين والأبعدين، مقاومًا ومطالبًا بحريته وكرامته رغم أنف قوى الاحتلال والطغيان.

صالون الجولان/ مركز حرمون للدراسات لمعاصرة 8 كانون الأول/ ديسمبر 2017

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق