ترجمات

صحيفة فزغلياد: باعترافه بالقدس ترامب يفجر قنبلة نووية جيوسياسية

 

الصورة: Jonathan Ernst/Reuters

ستنفجر التظاهرات المعادية للولايات المتحدة الأميركية في العالم الإسلامي- وسيكون ذلك أخف نتائج القرار، الذي يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية قد اتخذته. وتشير الأنباء إلى أن الرئيس دونالد ترامب قد اعترف بأورشليم (القدس) عاصمةً لـ (إسرائيل)، وأنه قرر نقل سفارة بلاده إلى تلك المدينة. فلماذا أعلن رئيس الولايات المتحدة الأميركية هذا الآن بالتحديد؟

رغبةً منه في تطوير نجاحه السياسي الداخلي (إقرار الكونغرس الإصلاحات الضريبية)، ولتحويل الانتباه عن التحقيق بشأن “العلاقات الروسية”، وكذلك لعدم تمكنه عن إيجاد رد “مشرف” على تجارب كوريا الشمالية الصاروخية؛ قرر البيت الأبيض نقل اهتمام وتركيز وسائل الإعلام العالمية، من أزمة الشرق الأقصى إلى الشرق الأوسط. وأعلن ترامب أنه مستعد للاعتراف بالقدس عاصمةً لـ (إسرائيل). وبحسب وكالة أنباء (رويتر)، استنادًا إلى الممثل الرسمي للإدارة الأميركية، فقد أعلم ترامب نظيره الفلسطيني محمود عباس، في حديث هاتفي عن نيته نقل السفارة الأميركية في (إسرائيل)، من تل أبيب إلى أورشليم (القدس).

حذّر عباس ترامب من العواقب الخطيرة التي ستنجم عن هذه الخطوة. وكان الرئيس الأميركي قد اتصل يوم الثلاثاء برئيس الوزراء الإسرائيلي والملك الأردني. وقد توالت التحذيرات من ردة فعل ترامب السلبية القصوى، قد سبقت الإعلان عن نيته هذه.

سبق لرئيسة الدبلوماسية الأوروبية فيديريكا موغيريني أن أعلنت أنه يتوجب على الولايات المتحدة الأميركية أن تعيَ النتائج الخطيرة، في حال اعتراف الرئيس ترامب بالقدس عاصمةً لـ (إسرائيل). من ناحية ثانية، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يوم الثلاثاء، ما يتوجب أن يقوله رجلٌ يحاول أن يكون خليفةً، أي قائدًا للعالم الإسلامي كله:

“القدس خط أحمر، بالنسبة إلى المسلمين.. قرار كهذا سيشكل ضربةً موجعة للإنسانية جمعاء. ونحن لن نسكت عن هذا. ألم يعد لدى أميركا مشكلات أُخرى، أبقيت لديهم هذه المشكلة فقط؟ نحن سنستمر بالنضال حتى النهاية. وقد نقوم بقطع العلاقات الدبلوماسية مع (إسرائيل). أطالب أميركا مرةً أخرى بأن لا تقدِم على خطواتٍ، تعمق الأزمة في المنطقة، كهذه”.

مع أن هذا التصريح قد يُنظر إليه في سياق العلاقات التي تزداد توترًا، بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية، الغرب وحلف الناتو عمومًا، فإن موضوع القدس محفوفٌ بالمخاطر لدرجةٍ، يمكن أن يتطور ليطغى على أي أزمةٍ أُخرى في المنطقة.

من المعروف، أنه ليس هناك دولة واحدة في العالم تعترف بالقدس عاصمةً لـ (إسرائيل). يعود الأمر إلى كون المدينة قد احتلها الجيش الإسرائيلي، إبّان حرب عام 1967، وأنها ألحقت بصورةٍ غير قانونيةٍ بالجزء الغربي، الذي دخل ضمن دولة (إسرائيل) عام 1948. تشكل مسألة وضع القدس عقبةً رئيسيةً ليس على طريق التسوية الفلسطينية-الإسرائيلية فحسب، بل التسوية العربية-الإسرائيلية، ككل.

في القدس بالتحديد، تقع غالبية الأماكن المقدسة للديانات الثلاث: المسيحية، الإسلام، اليهودية. جبل الهيكل مع مسجد الأقصى يمثل للمسلمين المكان المقدس الثالث، بعد مكة والمدينة. وبالنسبة إلى اليهود، يشكل (حائط المبكى) أحد جوانب جبل الهيكل، حيث يجب -بحسب العقيدة اليهودية- إعادة بناء الهيكل اليهودي عليه. وترفض (إسرائيل) رفضًا قاطعًا مناقشة تخليها عن السيطرة على جدار المبكى والمدينة القديمة. أما الفلسطينيون، كما العالم الإسلامي برمته، وكذلك قرارات الأمم المتحدة، فيطالبون (إسرائيل) بوقف احتلال الجزء الشرقي من القدس.

عندما كان دونالد ترامب مرشحًا للرئاسة الولايات المتحدة الأميركية، أطلق وعدًا بنقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس، ولكن، وكما كان الحال مع نيته بـ “تسوية الأمور مع بوتين”، فإنه لم يستطع الإيفاء بوعده. ولكن إن كانت المسألة الروسية قد أوجدت مجموعةً موحدةً، تضم كتلةً كبيرة من أعضاء الكونغرس، establishment، “الدولة العميقة” والإعلام الأميركي، تحاول بكل قواها منع الرئيس ترامب من إعادة العلاقات مع روسيا، فإنه في حالة القدس لا توجد تناقضات البتة، بين البيت الأبيض والـ establishment.

كان الكونغرس في عام 1995، قد صوت لصالح الاعتراف بالقدس عاصمةً لـ (إسرائيل)، ونقل السفارة الأميركية إليها، ومع ذلك كان رؤساء الولايات المتحدة، طيلة هذه السنوات، يؤجلون تنفيذ هذا القانون. في الصيف، قام ترامب بالخطوة نفسها، معربًا عن أمله بإنجاز المصالحة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. في الرابع من كانون الأول، حان موعد جديد لتمديد التأجيل، ولكن في الأول من الشهر، ظهرت أنباءٌ تقول إن الرئيس ترامب قد يعلن الاعتراف.

يوم الإثنين، أعلن نائب السكرتير الإعلامي في البيت الأبيض، أن ترامب ينوي تنفيذ وعوده الانتخابية: “أوضح الرئيس بجلاء، أن الحديث عن هذا الموضع الآن ليس بشأن ما سيتم، بل بشأن موعد إتمامه”. ومن ناحية أُخرى، قال مصدر وكالة (رويترز) في الإدارة الأميركية، أن ترامب سيعلن الاعتراف بالقدس عاصمةً لـ (إسرائيل)، ولكنه سيؤجل مرةً ثانية نقل السفارة الأميركية من تل أبيب. ولن تكون أنصاف الحلول أقل خطورةً؛ فردة فعل العالم الإسلامي، من المغرب إلى إندونيسيا، ستكون صاخبة.

لم يكن مستغربًا -بحسب (رويترز)- أن يقف، ضد نقل السفارة، رجالاتٌ كوزير الخارجية ريكس تيليرسون ووزير الدفاع جيمس ماتيس، الذين يرون أن هذه الخطوة ستضع في دائرة الاستهداف الدبلوماسيين والعسكريين الأميركيين، في منطقة الشرق الأوسط وفي الدول ذات الغالبية المسلمة. أما مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي روبرت ماكماستر فقال: “لست متأكدًا من القرار الذي سيتخذه (ترامب)، نحن قدمنا له عدة خيارات”. وأضاف: “هناك خياراتٌ، منها نقل السفارة في مرحلةٍ ما في المستقبل، الأمر الذي أعتقد أن بالإمكان استخدامه كدافعٍ على طريق عملية الحل السياسي، الذي يرضي الإسرائيليين والفلسطينيين”.

يمكن اعتبار الاعتراف بوضع القدس انتصارًا كبيرًا للوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة الأميركية؛ لو لم يكن يشبه كثيرًا رقصة النصر الحربية. فهو ليس فقط سيعرض للانهيار العلاقة بين (إسرائيل) مع شريكها الوحيد بين الدول الإسلامية وواحدةٍ من دول المنطقة الرئيسية- تركيا، ولكنه أيضًا سيضعف موقف الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، الذي يقف الآن أصلًا عند أدنى مستوياته عبر تاريخه كله.

“هذه الخطوة -إذا ما اتُخذت- ستكون انعطافًا جذريًا، غير مبررٍ، في موقف الولايات المتحدة الأميركية بصفتها لاعبًا محايدًا، وسيكون انتقالًا إلى الجانب الآخر”، هكذا عبرت وزارة الخارجية السعودية يوم أمس. وأضافت: “سيكون لهذه الخطوة عواقب جدية للغاية، وستعقد النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، وستعرقل الإجراءات العملياتية لإحياء العملية السياسية. إنها ستثير مشاعر المسلمين على امتداد العالم، نظرًا إلى أهمية القدس المركزية، وأهميتها الاستثنائية”.

أما جامعة الدول العربية فصرحت أن قرار واشنطن هذا سيعتبر اعتداءً ضد جميع الدول العربية، “إنه انتهاك لحقوق الشعب الفلسطيني، واستفزاز لمسلمي ومسيحيي العالم أجمع”.

حسابات ترامب للمكاسب من قرار الاعتراف بالقدس عاصمةً لـ (إسرائيل) متقلبة، فبفتح هذه القضية لن يحصل على صرف الانتباه عن مأزقه في القضية الكورية، ولن يغير شيئًا في الدعم المتقلب الذي يقدمه له اللوبي الإسرائيلي، في “مستنقع واشنطن”.

كما تبين متابعة قصة التحقيق في “القضية الروسية”، فقد دفع ترامب ثمنًا باهظًا، نتيجة اهتمامه بالمصالح الإسرائيلية، فالموضوع الذي تكلم عنه مساعده السابق فلين في حديثه مع السفير الروسي كيسيلياك، كان بشأن قرارٍ للأمم المتحدة لا يناسب تل أبيب. ففي شهر تشرين الثاني طلب صهر الرئيس جاريد كوشنر من فلين بحث إمكانية تأجيل التصويت على هذا القرار. نفذ الجنرال طلب الصهر، وعندما بدأ مكتب التحقيقات الفدرالي الاستقصاء عن مضمون حديثه مع السفير الروسي، نسي فلين التطرق إلى هذا الموضوع.

بالنتيجة؛ اتهم فلين، بالكذب في أثناء الاستجواب، وسيصدر بحقه الحكم المناسب عقابًا على ذلك. ومن الملفت، أنه خلال الشهور التسعة، التي استمرت خلالها الفضيحة، بشأن الحديث الذي دار بين فلين والسفير الروسي، لم يحدث أي تسريب حول ما أخفاه (أو نسيه) الجنرال فلين عن مكتب التحقيقات الفيدرالي. لم تحاول (إسرائيل) ولا اللوبي الإسرائيلي حماية فلين، ولا توضيح أن الحديث يدور عمومًا حول العلاقات الأميركية-الروسية.

بالإضافة إلى الدوافع الداخلية الأميركية، فإن لقصة الاعتراف بالقدس عاصمةً لـ (إسرائيل) جوانب أُخرى أكثر أهميةً في مجال السياسة الخارجية، وعلى الساحة الدولية، ردة فعل العالم على خطوة الولايات المتحدة الأميركية الاستفزازية، بكل ما للكلمة من معنًى، ستكون أكثر من قاسية. فالعالم الإسلامي سينفجر بتظاهراتٍ معاديةٍ للولايات المتحدة الأميركية، وهذا سيكون الجانب المرئي فقط من الطوفان الذي سيسببه قرار ترامب.

 

اسم المقالة الأصلية Признанием Иерусалима Дональд Трамп взорвал геополитическую «атомную бомбу»
الكاتب بيتر أكوبوف
مكان وتاريخ النشر  صحيفة فزغلياد. 5 كانون الأول 2017
رابط المقالة https://vz.ru/politics/2017/12/5/898247.html
ترجمة سمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق