هموم ثقافية

الموت المُتعَجِّل، الموت المُشْتَهى

 

لا يأبه الموتُ بما نفعل، ولا بالأعمال التي نهمُّ بإتمامها، أو بما نخطط لغدنا، يريدنا عندما يريد. ولا يحمل الموتُ ساعةً في يده، لكي يضبط إيقاع اختطافه أرواحنا، على توقيت تفرُّغِنا للقائه. هو دائمًا متعجِّلٌ ملولٌ، لا متعلقات عنده، فلا يعطينا مهلةً لنشرح له كم من الوقت نحتاج كي نكون جاهزين بكامل أناقتنا التي تليق بحضور مقامه الرفيع.

لا يتحاور الموتُ معك، لا يجادلك ليقنعك بالذهاب، ولا يضعك في قفصٍ ليحكم عليك بالغياب، لا يعرف الموتُ قانونًا، وربما هو القانون، فهو لا يعاقبك.. هل يعاقبك؟ هل الموتُ عقاب؟ ربما لا، فقد يكون مكافأةً لا ينالها سوى المحظيين لديه. ومن المحتمل أن يكون هو ضحية اتهامنا بأنه قاتلٌ، فيأتي إلينا لنحاكمه لا ليحاكمنا، بعد أن سئم من كل محاولاته إثبات براءته. نحن لا نعلم أن هناك من يريده ويطلبه، هو يعلم أنهم كثرٌ، إنهم يشتهونه ويراودونه، يقدمون له الرشى والنذر لكي يحل بهم، لكنه المتمنِّع الشريف الذي لا ينفِّذ أعماله سوى في وقتها، ولصالح مستحقِّيها.

إن كان الموت حاكمًا، فإننا لا ندري لماذا يحكم علينا بالغياب، أو يعدَمُ عقوبةً أخرى تجعلنا نتأرجح بين الحضور والغياب؟ ولكن، هل الموت غيابٌ؟ ومَنْ هو الغائب؟ أهو الميت أم الحي؟ ربما الموتُ هو الحضور، الحضور في كل مكان، هو السباحة في الأثير، أو هو الأثير الذي يلفُّ الآخرين الذين نتركهم وراءنا، فيكونون حاضرين أمامنا وفينا، بكل الضجيج في حياتهم، أو السكون. الموت ينقلنا من غيابنا عنهم، إلى حضورنا الطاغي في بكائهم علينا، وفي صمتهم وتذكُّرنا. الموت يدنينا ممن نحب، يعلقوننا على جُدُرِهم، وعلى كلماتهم، وعلى تفاصيل القصص التي نسيناها، وعلى دموعهم.

لا يدري أحد أكنا ميِّتين أم أحياء، ربما وحده الموتُ يعلم هذا الأمر، ولا ندرك الحقيقة إلا عندما يلاقينا. قد نكون موتى فيأتي هو لينبِّهنا، ثم يمسكنا بأيادينا ليأخذنا إلى الحياة التي هناك، الحياة التي يقطع المسافات لكي يوفرها لنا. الموتُ ينقذنا من موتنا الذي نعيشه، فلماذا نكرهه؟ ألسنا ميتين، منذ أن سألنا أنفسنا هذا السؤال المخيف: “ما هو الموتُ؟”. ألا يرافقنا هذا الهاجس أينما ولَّيْنا وجوهنا؟ هاجسٌ حاضر في ضحكنا وفرحنا وفي مرضنا وفي موتنا، لا يبرح وجودنا، لا يملّنا ولا نملُّ الخوف منه، أو من انتظاره ليخلّصنا من خوفنا إياه.

قد لا يؤلمنا الموت، فربما هو طريقنا لخلاصنا من وجعنا وآلامنا التي تُثقل علينا بكل ما أوتيت من أسبابٍ لا يعدمها هو. أسبابٌ توفَّرت له مذ غادَرْنا ذلك السائل الدافئ الهانئ، إلى جفاف هوائنا، وإلى ملحنا المقيت وسُكَّرُنا المتربص بنا والحليب الأول والغبار وثقل الضوء. إلى أصوات المحيطين بنا وضحكاتهم المخيفة، إلى فرحهم بعذابنا وبكائنا، إلى عيون المترصِّدين حركاتنا داخل تلك اللفة البيضاء التي احتوتنا أو آذانهم المتلهِّفة لسماع صراخنا. غادَرْنا إلى طغيان الوقت، وانتظار النهار، ثم المساء، ثم تعاقب الأيام والأسابيع والشهور والسنوات. ثم إلى الخروج إلى الطرقات، والمدارس والتسمُّر في المقاعد. إلى انتظار انقضاء الوقت، الوقت الذي لا نحبُّ فيه سوى انقضائه، ولا نفعل سوى انتظار هذا الحب.

ما الذي يمنعكَ من الموت؟ ضحكات طفلي تمنعني، يقولُ أبٌ، أرشو الموتَ ليبتعدَ قليلًا لكي أصل البيت، فيفرح. بكاؤه ليلًا، تقول أمٌّ، أخاف أن يستيقظ، يريد حليب ثديي فلا يجدني. تمنعني الحقولُ، يقول فلاحٌ، تنتظر مني الماءَ والسلالَ التي ينتظرها الجوعى. قصيدةٌ عصيّةٌ، يقول شاعرٌ، أتسول كلماتها من النجوم القصيةِ، أرتِّبها حجرًا حجرًا، وحين أدير ظهري لها، تخونني فتعود إلى فوضاها.

لم يخضْ أحدٌ الموت، وما مات أحد وعاد منه ليخبرنا عن ماهيته. هنالك الشاعر، مات دقيقتين اثنتين فقط، وعاد للعيش، كما قالوا له في المشفى، فنقشَ على جدارٍ ما رآه طوال تينك الدقيقتين. وقف محمود درويش أمام الموت وجهًا لوجه، وحاوره وطلب منه التريُّثَ والعودة في الربيع، حين يكون بكامل قوته، فلا يصطاده اصطيادَ ظَبْيٍ يشرب من النبع. أخبرنا في جداريته أنه شاهد في وقفته تلك، مما شاهد، والده مغمى عليه “مصابًا بضربة شمسٍ حجازيَّةٍ”، وهو في طريق عودته من الحج، وكان محظوظًا أَنْ قرَّبه الموت ممن يحب. ويقصُّ لنا ما شاهده: “أرى السماء هناك في متناول الأيدي/ ويحملني جناح حمامةٍ بيضاء صوبَ/ طفولةٍ أخرى”. ومع أنه أخبرنا أنه لم يكن يوجعه شيء: “لا شيء يوجعني على باب القيامةِ”، لكنّ الموجع لنا كانت وحدته في تلك الأنحاء: “كنتُ، ولم/ أكن. فأنا وحيدٌ في نواحي هذه/ الأبدية البيضاء”، لم يوجعه الموت، ولم يكن خائفًا، لكنه أخافنا، حين أعلمنا بما جرَّب.

يشتاقُ الموتَ المعذَّبون، يشتهيه الضجرون والمساكين، الحفاة في الطرقات وسكَّان السجون. “لا أدري لماذا يخاصمني الموتُ؟”، تنوحُ أمٌّ تتوق إلى لقاء ابنها الذي سلبتها قذيفةٌ إياهُ في الحرب التي خيَّمت فوق هذه الأرض. ما نفع حياتي؟ يقولُ عاطلٌ عن العمل، بحثتُ عن عملٍ فلم أجد، حتى الصخور لا تطاوعني حين أريد اقتطاع الأحجار منها، فلماذا لا يأتيني الموت؟ قتلتُ كثيرين، يقول جنديٌّ في الحرب، كانوا بريئين مثلي، وكانوا مثلي قتلةً ومجرمين وحمقى، أقتُل ليعاقبني الموتُ ويميتني، لكن الموت الذي أشتهيه يجافي دمي.

في قصيدة “الأرض اليباب”، أخرجَ لنا الشاعر ت. أس. إليوت “سيبيل”، لتردَّ على سؤال الصبية: “أريد الموت”، تقولُ. وَهَبَها أبُّولو الخلودَ، وعاشت سنين طِوالًا وعقودًا تلوَ أخرى، ومرَّت عليها قرونٌ، ومات كل من كانت تعرفهم. أخذت قامة سيبيل تتضاءل، تآكَلت عظامها، وصغُرت عيناها، وكبرت الأشجار من حولها، والشوارعُ اتسَعت، والساحات صارت صحاريَ، وأصبح الأولاد عمالقةً تخافهم. نَسِيَت وجوه كل أبناء جيلها الذين ماتوا في الأزمنة السحيقة، لم تعد سيبيل تذكر أسماءهم، نَسِيَت قصصهم وأصوات ضحكاتهم، نَسِيَت فضائحهم ومآثرهم. يسألها المارَّةُ: “ماذا تريدين يا سيبيل؟”، ولا تعرف سيبيل ما الذي تريده. لا تجيب سيبيل، ليس في الوجود بهجةٌ، خسرت الخوف من الموت، فغادرها فرحُ العيش. تطوف سيبيل في المدن والسهول والغابات، أمست كل الألوان متشابهة، وكل الوجوه أيضًا. لا فرق في شيء تراه، التشابه أحالَ كل شيءٍ عدَمًا. وأخيرًا، عرفت سيبيل ماذا تريد، لكنها لم تفصح، هي تعرف أن ذلك مستحيل، ولن تناله. إنه الفرَحُ الأخيرُ الذي تتمناه، أصبح لحياتها معنى، أصبحت تتوقُ لشيءٍ، وتشتهيه. ما أكثر ما تريدينه يا سيبيل؟ عاد الصِّبيةُ للسؤال: “أريد الموت”، تردُّ سيبيل.

استخفت سيدوري، ساقية الحان، بجلجامش حين حطَّ في حانها، عند حافة البحر المحيط، الأوقيانوس العظيم الذي يحيط بالكون، وهو في رحلته للبحث عن الخلود. “املأ بطنك”، قالت له، “افرح ليلك ونهارك/ اجعل كل يومٍ عيدًا”، “دلِّل صغيرك الممسك بيدك/ وأسعد زوجتك بين أحضانك”، هذا نصيبك في الحياة. أخبرته أن الآلهة حبست الخلود في أيديها عن البشر، و”جعلت الموت لهم نصيبًا”، فإلى أين يمضي جلجامش؟

 

  • اللوحة للفنان السوري دلدار فلمز

مقالات ذات صلة

إغلاق