تحقيقات وتقارير سياسية

المعارضة السورية والجبهة المُربكة

 

لا يختلف عاقلان على تقييم مآل المفاوضات السورية، في جنيف وغيرها، وعلى أداء المعارضة التي تخوض “صراعًا”، تجاهل الجبهة الأساسية التي كانت كافية لإحداث شرخ استنزف قوة الثورة. الثورة السورية وما تطورت إليه حتى اليوم، تعبير عن ضيق الشعب السوري بكل المواقف التي اتخذها الآخرون منهم، طوال السنوات الماضية، وهي مواقف نفاق لقوى كثيرة، عربية وعالمية، مواقف تخدير وخديعة من بعض القوى، ومواقف عداء مستتر وظاهر، من قوى عربية وعالمية أيضًا.

ليست الثورة السورية عامل احتجاج على دستور وقانون وتمثيل منصات وهيئات، ولا على شكل الحكم وتسمية الجيش، ففيها كل هذه العناصر مع وظائفها، لكنها في واقع الأمر اختزال لعوامل كثيرة ممتدة طوال خمسة عقود، حاول البعض تغذيتها بالأوهام منذ ستة أعوام، بتلك المواقف المذكورة، ويحاول المجتمع الدولي صياغتها بين طرفي المعادلة: المعارضة والنظام، بشكل ومضمون، اتضح من خلال التحالفات التي ظهرت في المنطقة العربية والدولية، لإحداث تغيير محتمل في القضية الأساسية للشعب السوري، من خلال مطلب إسقاط الطاغية السوري ونظامه، واستبدال كل ذلك يقلب الطاولة ويبدل المعادلات، وهي إحدى النتائج الأساسية لمعاودة تطويع المعارضة السورية وتقزيم مطالب الشعب السوري.

لقد كانت نشأة الأشكال الحالية للمعارضة في ظل الثورة السورية التي تصدت للعملية السياسية والعسكرية، وكانت جزءًا من “الثورة” أو محسوبة عليها، بحسناتها وسيئاتها، أغرى بعضها التنصل من المسؤولية، على الرغم من ارتياب الشعب السوري من أدائها، فإنها تُصر أن تسمي نفسها قوى معارضة، وتصدق نفسها أنها معنية بخوض غمار التفاوض تحت ظلال الخديعة والارتهان لغير الشارع، والتنصل من أساسيات وبديهيات يعرفها كل سوري على الأرض، ففي كل جولة تفاوض، تُلقى في وجوه السوريين أسئلة تذهب في شتى الاتجاهات، تحمل في مضامينها قدرًا من الحيرة، كما تعبّر في الوقت ذاته عن شعور ومزاج شعبي عميق، يبحث عن إجابات لمواجهة تطور جرائم النظام، وما ترتب عليها من واقع ووقائع، في سياق يتناغم مع الدهاليز التي أجبر مفاوض الثورة لدخولها.

هنا تبرز مخاطر جدية، تطال بالأساس المنهج الذي بنيت عليه نشأة معارضة النظام، بطغيانه واستبداده وجُرميته المتشعبة. الخطر أو المحذور يتمثل بالانصياع للواقع الذي فرضته القوى التي تهيمن -سياسيًا وعسكريًا- على قوى المعارضة السورية، إضافة إلى هيمنة التمويل، ومحاولة التكيف معه بأي ثمن، وبلا ضوابط، يُحدث عملية قطع مطلقة ما بين دهليز التفاوض وما فوق الأرض التي مُسحت منها حواضر البلد من بشر وحجر، بمعنى يغدو التعاطي مع مكونات الجريمة والمجرم في سورية، بمنظور لحظي ونفعي ضيق، وكأنه أبدي ونهائي، الأمر الذي يقود ويُروج له من أعداء الشعب السوري على أنه حالة من الرضوخ والإحباط الكاملين من القوى ذاتها التي تمد وتدعم المعارضة.

رؤية الواقع السياسي للمعارضة السورية، وجرها إلى المفاوضات، كنوع من التجريب، من دون الضغط على النظام من قبل المجتمع الدولي الراعي المفترض، والقلق على “عملية التفاوض” ومصير سورية، دفع المعارضة لمسافة لا يستهان بها بعيدًا عن التصدي للواقع الصعب. التعامل معه أظهرها مُربكة في معالجة واقعها وصعوباتها، إرباك ليس وليد أزمة طارئة أو لحظية، إنما هي ذات امتداد تاريخي، تراكمت كل عناصره وتجلت بصورة متدرجة، في سياق الصراع مع نظام قمعي ووحشي. نقطة الانطلاق تتركز أولًا في الاقتناع العميق بأن الابتعاد عن إزالة رأس النظام ومفاوضته على أي أمر آخر، كما يرغب كل المجتمع الدولي الممثل بدي ميستورا المدعوم بقوة النفاق. لا يجعلها تمسك بزمام المبادرة ذاتيًا وتخطي مظاهر الخلل التي تعاني منها منذ ستة أعوام.

وعليه؛ فإن تدارك الإخفاقات مرهون بتحقيق مدى الجدية في التقدم لإعادة بناء الذات، لا الهرولة نحو تنفيذ أجندة الضغط السياسي والعسكري والمالي، هذا إن أرادت المعارضة السورية أن تفهم أنّ فاعلية الجدل المصاحب لأدائها أساسه نهوض شامل، يجد تُربته المناسبة بالانصياع لتضحيات السوريين، والتمسك بالأهداف الوطنية القائمة على حالة اشتباك دائم ومستمر مع الطاغية، حتى التخلص منه للأبد، أساس بناء كل شيء تشوه وتزوّر في عهد الطاغية، دون ذلك؛ تبقى الأشكال غير المألوفة والتجليات الجديدة مُربكة لجبهات الثورة ورابحة للطاغية وحلفائه.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق