هموم ثقافية

سلطة النص إبداع بلا شفاعة

 

تُراودني -أحيانًا- رغبة غريبة، غير مألوفة، وهي أن أقدِم على قراءة أعمال أدبيّة في القصة والشعر والرواية، عربيّة كانت أم مُترجمة إلى العربية، من غير أن أكون -قبل قراءتها- مُطلعًا على أسماء أصحابها..

تجربة كهذه تُتيح لي اللقاء مع النصّ منفردًا. ذلك أن لاسم الكاتب أو المؤلّف -كما هو معروف- سلطة وتأثيرًا إيجابيين أو سلبيين، يصعب أو يستحيل علينا أن نتجاوزهما أو نتجنّبهما، حتى بعد محاولتنا ذلك بشقّ الأنفس. سلطة الاسم طاغية، والأثر شديد باقٍ، مهما كابرنا وادّعينا الحياد إزاء النصّ. لا مفرَّ من تأثّرنا، في الحكم على النصّ، بموقع اسم صاحبه لدينا.

في الأعمّ الأغلب، يتمّ التعامل مع النصوص -باختلاف أجناسها وحقولها- وفقًا لأسماء أصحابها. في الصحف والمجلات كما في دُور النشر، وكما في المنابر المختلفة. ليس مؤدّى ذلك ذمُّ الاسم المعروف، أو مديح الآخر غير المعروف، ولا لوم المشرفين على الصحف والمجلات وأصحاب دور النشر، إنّما التوكيد على التأثير والأثر.

سنجد طغيان سلطة الاسم -على نحو أشدّ وضوحًا- في الأعمال الأدبيّة والفكريّة والفنيّة المُترجمة أو الممهورة بأسماء أصحابها الأجانب. في حالةٍ، لوجه من المسألة المُثارة هنا، أن شخصًا سأل صديقه عن رأيه، في رسمٍ مُبسَّط على غلاف كتاب، فمطَّ الصديق شفتيه رافعًا كتفيه، علامة على عدم الإعجاب أو اللامبالاة؛ وحين علم أنه لفنان أوروبيّ ذائع الصيت؛ انقلبت حاله، وطفق يُقرّب الغلاف ويُبعده، وهو يسرد لسائله البدائع واللمسات الذكيّة الخافية وراء الخطوط البسيطة!

لا حاجة إلى أمثلة أخرى. في دنيا الثقافة من الأمثلة والحالات، المُشابهة أو المُعاكسة، ما لا ينتهي. جوهر القصد أن النصَّ، مُغفَلًا من اسم صاحبه، سيكون له حضورٌ أنصع وأوضح وأكبر.. حضورٌ عارٍ.. حضور مُتخلّص من أحمال مُضافة إليه، لذائقةِ قارئ متخلّصةٍ هي الأخرى. سيظهر بما له، وما عليه. بما يملكه كامل الملكيّة، وما يحتاج إليه أمسّ الحاجة. سيكون أمام قارئه أو سامعه أو رائيه؛ مفردًا من دون وسيط أو شفيع.

وليكن كذلك حقًا. ليكن وحيدًا، مُفردًا، تُثبتُ الجدارةُ الإبداعية فيه جدارةَ ظهوره وانتشاره. تُثبت المادةُ نفسُها -لا الاسم المُرفق بها- أحقّيتها في الحياة. حقّها بأن تُنشر وتُوزّع، وحقّها بأن تفوز بجائزة، أو باهتمام نقديّ، أو بإعلام واسع. لتكن السلطة للنصّ في ذاته، وحسب.

بهذا؛ لا يُصادَر حقُّ الناس في التعبير -كما يُشاع، ذريعةً وتشفُّعًا للرداءة- بل يُفسح في المجال للمُستحِق أنْ يُملي حقّه، عبْر ثراء ما أنجز، ومعماره، وبهائه. وبهذا -أيضًا- يكفُّ التبخير لاسم صاحب النصّ، والغفران لزلاته، ولسقطاته أحيانًا. ولا يُخلع عليه ما لا يرتديه، ولا يُضاف إليه ما ليس فيه، ولا تُرسَم له أبعادٌ افتراضيّة لم يُقاربها، ولا تُفبرَك معانٍ ليست من تخليق النصّ.

لقد آن الأوان -ومنذ آنٍ قديم- لكي ننحّي بعيدًا جدًا -وليس جانبًا فقط- كلَّ ما هو خارج العمل الثقافي الإبداعي، من علاقات شخصيّة ومعارف ووسطاء واعتبارات لأسماء، ومراعاة لضرورات… إلى آخر الحواشي والمُلحقات والتوابع المُضافة من خارج العمل. آن الأوان، وخصوصًا لدى لجان قراءة وتحكيم المخطوطات، سواء للمسابقات والجوائز، أو لما سيصدر عن دُور نشر. آن الأوان لإقامة مؤسسة أو هيئة أو دار نشر ثقافية خالصة، يُقبِل عليها المثقف والمتابع القارئ، بسبب احترامها لنفسها، وإخلاصها لحقل عملها، وثقته بها تاليًا، قبل أيّ اعتبار آخر. أليس ثمّة جهة ثقافيّة راعية في العالم، لها ثقل وقدرة استقطاب، من مصداقيّتها ومهنيَّتها، أشدّ وأوزن مما لدى الناشطين فيها؟

مقالات ذات صلة

إغلاق