أدب وفنون

بين المومو.. والمع مع

 

ثمة اتجاهان، أو قل هما آليتان للتفكير، بل منهجان في اللعبة السياسية التي لا تشبه أي لعبة أخرى، من الألعاب الكثيرة التي لا يجوز لنا -المتورطين بالعيش على هامش دورات الألعاب الديمقراطية- أن نلعبها. هذان الاتجاهان ليسا متناقضين متخالفين فحسب، بل متناطحين بقرون حينًا، وبلا قرون حينًا؛ ما دامت السياسة سياسة والرياسة الرياسة:

آلية تفكير “المو”! أي الموالاة

وآلية تفكير “المع”! أي المعارضة

إذا أردنا الاختصار نقول: جماعة (المو).. وجماعة (المع). علمًا أن كلمة “المو”، من حيث الاشتقاق -بحسب آخر معجم “سياسي خناسي”- قادمة من “المواء” أي: من ماء يموء فهو مائئ! أو الأصح والأكثر شيوعًا: مواء.. بينما كلمة “المع”، فهي من المصدر الذي تصدر عنه المعارك الطاحنة، أي المعامع السياسية التي تحمر فيها المعاليق.

المو مو.. والمع مع

الأول يعارض أخطاء السلطة، من باب الغرام بجمالها وجلال رجالها، يعارض أخطاءها ليتمسح برجليها، يعترض طريقها “لتتشركل” به! فتراه وهو يموء أمامها مواء “البسان” الجوعان الذي يتمسح برجل صاحبه، على سبيل اللحس، وليس العض.

والثاني يعارضها من باب معرفة طعوم الكي بجمرها، وحديدها المحمى على حماسة المناضلين، منذ هربت حملات الاستعمار من حيث جاءت، رافعة ذيولها فوق عوراتها، هو يقطع لها الطريق في غدوها ورواحها، وربما تأخذه الحماسة أكثر، فيعترضها في الساحات، و”يبحت” برجليه تبحيتًا، كأنه يتحداها للمنازلة في أرض المعركة، يريد أن يمعمعها ويتعتعها ويعضعضها! وربما يفصفص عظامها.

هذا يعني أن ثمة ذائقتين، وثمة نقدين سياسيين: نقد معارض، ونقد موالٍ! ومن البداهة القول إن النقد المعارض يختلف كليًا عن النقد الموالي، وإن التقيا في المسمى؛ فإنهما يختلفان في الهدف والاتجاه والدافع والنيّات؛ لأن نقد المعارض يبدأ من أسفل الجذور مرورًا بالجذوع وصولًا إلى الأغصان والأوراق. بينما نقد الموالي يبدأ وينتهي بالأوراق الصفر، والأغصان اليابسة، ويتوقف دون الجذوع الصلبة، ولا ينحدر إلى تحت، من باب الحرص على الشجرة النضالية من السوس.

هذا يعني -أيضًا- أن ثمة عقلين: عقل موالٍ لا يحتاج إلى إعمال العقل، عندما يتجه به نحو من يواليه؛ فيعتمد الشرح والتفسير والتأويل من أجل التبرير، ولن يتغير الحال عندما يكون الموالَى (بالياء غير المنقوطة) خارج الحياة، أو في حياة موازية، أو خارج الأرض، أو في سابع سما، أو كان في الماضي على كرسي السلطة. قد يكون الموالى فكرةً أو شخصًا، أو مومياء محنطة في ركن من أركان الوعي الغائب! وهو (العقل الموالي) لا يعجز عن إيجاد الوسائل لأجل دوامه أو صوابه. الإبداع ها هنا -عند نقد الموالي- إبداع في ابتكار أنواع التسليم! أما العقل المعارض فيُعمِلُ النقد المشوب بالشك، يفند ويفضح ويكشف ويميط اللثام لغاية خافية ظاهرة، قريبة بعيدة، وهي أبدًا ستنحو نحو التغيير. العقل المعارض ناقد كشاف، وهذا ما لم ينبت بعد في تربتنا العربية، وإن نبت؛ فهو نبات بعل في أرض “نعاص”، بلا سماد ولا تروية. العقل الموالي قادر دائمًا على إعادة إنتاج نفسه بالتلقيح الذاتي، ويبدو أننا لم نشبع بعدُ من غلال منتجات هذا التلقيح، على الرغم من تاريخه الطويل.

الموالي، في الغالب، يقينه قبض يديه وبين رجليه، بعد أن ذابت الأسئلة، ابتداء من الأسئلة الكبرى. وهو مرتاح لما في حوزته من أجوبة ظاهرة أو مخفية؛ لأنه لا يأتيها الباطل ولا التغيير: أحد أحد.. فرد فرد.. صمد صمد.. أبد أبد! من فوق أبد، ومن تحت أبد، ولا يصح إلا الإيمان العظيم، لأن شيطان الشك إبليس رجيم.

الموالاة تؤمن بالسلطة أولًا، ثم تؤمن بما تقوم به هذه السلطة ثانيًا، ثم في الدرجة الثالثة يمكن أن تفكر بما تقوم به هذه السلطة، وإذما تفكر؛ فإنها تبحث عن الحسنات لا عن السيئات. وحتى عندما تنتقد، من باب العلاج، فإن نقدها لا يقوم على جرح أي ركن من أركانها، بل ينام ويقوم على تدعيم هذه الأركان، هو نقد لأجل الديمومة وليس القيمومة.

الموالي: أنا أصدق؛ إذن أنا موجود! المعارض: أنا أكذب؛ إذن أنا موجود. العقليتان متناقضتان في المبدأ وفي العمق، وإن اتفقتا أحيانًا قليلة في بعض وسائل طرح النقد.

إن عقلية الموالي لا يمكن أن تتآلف مع عقلية المعارض، وإن اتخذ الموالي هيئة المعارض؛ فهو معارض من أجل تكريس المولاة، أو تأكيدها أو البرهان على صوابها، إنه أحرص على السلطة، عندما ينتقدها، منه عندما لا ينتقدها، وبالتالي الموالي المنتقد للسلطة هو أشد مؤيدي السلطة، وهو أحب إلى قلبها، كما هي أحب إلى قلبه، هو ينتقدها من باب التسامح، وهي تستمع إليه من باب التساهل لا التساؤل.

لكن… كثيرًا ما يستخدم الموالي المعارض معارضتَه، ليصطاد في مياه المعارضة التي لا توالي، وربما لينافسها في بضاعتها، أو يضللها، أو يأخذ مكانها، أو يصطاد سمكها، لا سيما عندما تميل الظروف أو تهتز أو تتأرجح. إن الموالي المعارض أشد كفرًا ونفاقًا من الموالي الموالي، لسبب بسيط هو أنه يعرف كيف يلبس قبعة النقد المعارض، لكنه -أيضًا- يعرف كيف يسارع إلى تبديل الأقنعة، وهو على استعداد أن يبدل أسلحته وذخيرته، طالما أن الطريدة في النهاية هي واحدة.

الموالي المعارض يعيش في مملكته، ويسرح بين أهله وأحبابه، ويصفق بإعجاب لسادته وقادته وقدواته، يأكل من طبيخ السلطة ويشرب من مائها ويسكر بخمرها. هو ديك منفوش الريش على مزبلته وبين دجاجاته، يتمطى بدلال، ويدرج ببهاء، ويصيح آناء الليل وأطراف النهار، يبشر بالصباح، ولو كان في منتصف الجحيم.

أما المعارض المعارض، فليس له مملكة. وهو سيجبر أن يعيش في مملكة الموالاة على مبدأ “وما أنا منهم بالعيش فيهم”، مضطر إلى أن يظهر الموالاة ويبطن المعارضة، وعندئذ سيكون من أشقى المعارضين وأتعسهم على وجه الأرض، لأنه يلعب على حد السيف، ويجول في ساحة ليست له، وليس لها، ولا هو من فرسانها، وهو في أحسن الأحوال يضحك على السلطة مرة، ويضحك على روحه مرتين، وهو بالع الموس على ثلاث؛ إن سكت، وإن تكلم، وإن “سكلم”. إن تكلم بلع موس مطبخ السلطة، وإن سكت بلع موس مطبخه، وإن “سكلم” مات بالموسين!

مقالات ذات صلة

إغلاق