تحقيقات وتقارير سياسية

التصعيد يتواصل على الغوطة.. جدوى جنيف  

 

تتزامن جولة مفاوضات جنيف الثامنة، بين المعارضة السورية ونظام الأسد، مع تصعيد عسكري غير مسبوق لقوات النظام على غوطة دمشق الشرقية، أسفر خلال الأيام الأخيرة عن قتل وجرح المئات من المدنيين؛ ما طرَح العديد من الأسئلة عن جدوى استمرار العملية التفاوضية، ودفَع الهيئات المدنية والثورية داخل المنطقة إلى اعتبار أن الوفد المفاوض تكيّف مع الضغوط الدولية الرامية لإجبار قوى الثورة ببقاء الأسد، وتقويض القرارات الدولية الداعية إلى الانتقال السياسي.

يقول وائل علوان المتحدث الرسمي باسم (فيلق الرحمن)، في تصريح لـ (جيرون): إن “المفاوضات غير جادة، وهذا يعود أساسًا إلى كون النظام والروس لا يريدون الخوض في القضايا الجوهرية للعملية السياسية، بعيدًا عن الانتقادات لوفد المعارضة وأدوات التفاوض، بخاصة بعد مؤتمر (الرياض 2) مؤخرًا”، وأضاف: “في النهاية، المفاوضات لم تحقق أي شيء، والروس ماضون في طريق الحل العسكري، بخاصة ضد الغوطة الشرقية”.

اعتقد علوان أن “فشل العملية التفاوضية لا يعود إلى وفد المعارضة، بل يعود أولًا إلى تخاذل المجتمع الدولي، وثانيًا إلى أن ما يتحكم بمجمل القضية السورية هو مصالح إقليمية-دولية، وما بينها من تضارب أو توافقات يقود في النهاية إلى منح النظام السوري وطهران ما يريدانه، من وقت للحسم والاستمرار في الإجرام”، مشيرًا إلى أن “بعض الدول التي تدعي صداقة الشعب السوري، وعلى رأسها الولايات المتحدة، مسرورة بالفيتو الروسي أكثر من النظام نفسه؛ كي لا تتحمل أي مسؤولية أخلاقية أو قانونية”.

من جهة ثانية، قال محمد سليمان دحلا، رئيس الأمانة العامة في الغوطة الشرقية: إن “الحديث عن المفاوضات سيعود إلى تأكيد المؤكد”، وأضاف في حديث لـ (جيرون) أن “سير عملية المفاوضات وترتيباتها -الآن على الأقل- رهن بالتفاهمات ما بين اللاعبين الدوليين والإقليميين، وما ينتج من معادلات تنجح في تقاسم خرائط السيطرة والنفوذ فيما بينها، ومن هنا تتحول المفاوضات إلى مجرد أداة، لاستخراج تلك الخرائط أو المعادلات”.

عدّ دحلا أن أي “عملية تفاوض ترتبط بموازين القوى على الأرض، وهي مختلة بشكل كبير لصالح النظام السوري وحلفائه”، مشددًا على أن “المطلوب الآن اجتراح آليات جديدة، بين القوى الوطنية المؤمنة بثوابت الثورة في الداخل والخارج، تكون قادرة على إحداث التواؤم بين الكفاح السياسي والكفاح المسلح”.

انتقادات مسارات التفاوض لم تتوقف عند حدود ما يجري في جنيف، بل طالت أيضًا تلك المتعلقة باتفاقات خفض التصعيد، والأسباب التي تجعل الفصائل العسكرية تتمسك بها، في ظل تنصّل الضامن الروسي من التزاماته ضمن تلك الاتفاقات.

في هذا الشأن، قال علوان: “لا شك أن هناك نظرة تخوّف وريبة في الداخل السوري، تجاه الوفد المفاوض، بسبب عدم اتخاذ مواقف جدية وقوية في ظل استمرار التصعيد العسكري، وهذا الأمر يُفقِد المعارضة السياسية الحاضنةَ الشعبية في الداخل، لذلك ينبغي عليها أن تعيد النظر في قراءتها للعملية السياسية وأدوات العملية التفاوضية أيضًا”.

أكد علوان أن الفصائل تتمسك باتفاقات خفض التصعيد؛ لأن “ميزان القوى على الأرض مختل بشكل كبير لصالح النظام، بفعل الدعم الروسي والإيراني، مقابل محاصرة الثورة السورية وتجفيف دعمها، إلى جانب أنها مناورة سياسية أمام المجتمع الدولي، لإظهار أن الروس غير ملتزمين، ولكننا في الوقت نفسه نتمسك بحق الدفاع عن النفس وعن شعبنا، والصمود في مناطقنا حتى إنجاز الانتقال السياسي الناجز”.

التصعيد في الغوطة مستمر

يتواصل التصعيد العسكري ضد الغوطة الشرقية، على الرغم من الإعلان الروسي عن هدنةٍ، وطلبهم من النظام الالتزام بها، وذلك قبل أن تعود موسكو وتوجه للغوطة الشرقية اتهامات عديدة، أبرزها وجود تنظيم (داعش) ثم وجود (الحزب التركستاني الإسلامي)، وأخيرًا طلب الفصائل العاملة في المنطقة من الولايات المتحدة إنشاء قاعدة عسكرية داخل الغوطة، وهو ما نفاه ناشطو الأخيرة جملةً وتفصيلًا.

اعتبر علوان أن “الاتهامات الروسية الأخيرة وقحة، خصوصًا أن المجتمع الدولي يعلم أن لا وجود إطلاقًا لـ (داعش)، والغوطة من أوائل المناطق التي قاتلت التنظيم واستأصلته، وكل ذلك هو دليل على إفلاس النظام وحليفيه الروسي والإيراني، إلى درجة أنهم استعانوا مؤخرًا بقوات صينية، لتساعدهم في اقتحام جبهات الغوطة”.

قال دحلا أيضًا: إن “هذه إشاعات كاذبة تخترعها موسكو لتمرير جولة جنيف، ولتثبت أمام المجتمع الدولي تماسك اتفاقات خفض التصعيد، وهو ما يؤشر إلى أن هناك ضوءًا أخضر لاستمرار الحرب المفتوحة على الغوطة، عدة أسابيع قادمة على الأقل”.

في غضون ذلك، تناقلت وسائل إعلام مقربة من النظام أحاديث عن مفاوضات متقدمة في مدينة حرستا، لإنجاز اتفاق مصالحة هناك، الأمر الذي نفاه علوان، مشيرًا إلى أنه “لا توجد معلومات عن هذا الموضوع، والمصالحة مع النظام مرفوضة في الغوطة الشرقية، بالمطلق، والخيار هو الصمود حتى تحقيق الانتقال السياسي”.

لم يختلف دحلا كثيرًا عن علوان، ورأى “أن هناك محاولات قديمة من بعض البعثيين الموجودين خارج الغوطة الشرقية، لإبرام اتفاق مصالحة مع النظام السوري؛ لكنّ معركة (بأنهم ظلموا) المتواصلة في المدينة قطعت الطريق على أي مشاريع من هذا النوع”. وأشار إلى أن “لا بديل عن الصمود، والإصرار على تحقيق المطالب التي دفع من أجلها السوريون عمومًا، وأهالي الغوطة خصوصًا، أثمانًا باهظة، بالتالي لا خيار إلا الحفاظ على الكرامة، والمضي في طريق الثورة حتى الوصول إلى الأهداف المنشودة”.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق