هموم ثقافية

حضور المصطلح الفني وغياب المفهوم

 

صياغة مصطلح المفردة الفنية، ومن ثم مفهومها، ليست ترفًا معرفيًا ولا فذلكة نقدية، بل ضرورة عملية لخلق الإبداع الفني. لقد أصبحت للفنون معاهد وجامعات وأكاديميات تُعلّم طلبتها، من خلال بنية مصطلحية للمعرفة والاحتراف الفني، فالإبداع يحتاج إلى تفكيك بنيوي، قبل أن يصبح مكتملًا جاهزًا للتلقي.

انصهار هذا التفكيك وتفاعل مفرداته بروح كيميائية، هو الذي يجعل الإبداع موحدًا، كقيمة متكاملة لا تقبل التفكيك الفني، بل تقبل التفكيك النقدي التحليلي فقط.

الفقر المفاهيمي للمصطلح الفني، في الثقافة المعرفية العربية، إن كان بين المثقفين أو الأكاديميين أو محترفي صناعة الإبداع، ينعكس على قيمة التلقي؛ فيدخل الأخير في مجهول الفهم الفني والجمالي للمنتج الإبداعي. لقد أصبح الإبداع علمًا له أسس مصطلحية، كباقي العلوم، فهو ليس عائمًا ولا فوضويًا، ولا يمكن تركه للتأويل، بلا خلفية اصطلاحية لمفاهيم واضحة المعنى والأسس والتجارب.

عندما نتحدث عن مصطلح التكوين أو الميزانتسين، فنحن لا نخترع العجلة من جديد، فلا بد لهذه المصطلحات، وغيرها الكثير، أن تكون واضحة ومفهومة للمبدع أولًا، ومن ثم للمتلقي، ضمن حراك معرفي مفاهيمي متحرك، وليس مفهومًا جامدًا أو عشوائيًا، كما يحلو للصدفة أن تكون.

مئات بل آلاف المصطلحات الفنية والإبداعية حاضرة ويتم تداولها، لكن المفهوم غائب، وكأننا نضطر إلى هذا المصطلح ولا نعرف ما هو، وكيف يكون، ولماذا وُجد هذا المصطلح، وما الضرورة لوجوده، وما هو دوره في العملية الإبداعية، كصناعة وكتلق. وكما أن في العلم مصطلحات يتم التوافق عليها، ضمن تراكم من التجارب المعرفية، فللفنون مصطلحاتها التي تم التوافق عليها من التجارب والمعرفة المتبادلة، رسختها أكاديميات معتبرة، عبر العالم.

الاعتقاد بأن الفن والإبداع برمته، يسير عائمًا هائمًا، بلا نوتات تحكمه، وبلا مصطلحات تؤسس له، هو اعتقاد خاطئ، جعل الفن والإبداع في بلادنا لا يتعدى الهواية والتجريب الذي لا ينتهي.

لقد اعتمدت المدارس الفنية، ثم الأكاديميات، على قانون اسمه (قانون الخطأ)، كقانون النشاز في الموسيقى، فللمسرح والسينما والكتابات الإبداعية، نشاز فني، يدركه المبدع والناقد والمتلقي، عبر الحراك المعرفي والثقافي للفن والإبداع، صيرورة وسيرورة تطور، ومعرفة المصطلح الفني، ضمن طيفه المفاهيمي، فلا مصطلح بلا مفهوم يحيط به، يشبه القاموس اللغوي والطبي والهندسي، ولا بد من قاموس فني، يفكك المصطلحات الفنية، ويضع لها مفاهيمها التفسيرية، من الدلالة حتى الفلسفة والتكنيك لهذا المفهوم المصطلحي.

كيف لنا أن نفهم لغة السينما من دون معرفة معجمها الفني، وكذلك المسرح والرسم والموسيقى، والقائمة تطول. ثم ما علاقة المصطلح الفني في إدراك الإبداع، كيف أزن القصيدة وأهرب من وزن الفيلم السينمائي، أو العرض المسرحي، كيف نحلل مركبًا لا ندرك مفرداته الاصطلاحية المعرفية، ومعرفة بنيته الخاصة الداخلية، في أثناء الصيرورة الإبداعية، أو نقده وتحليله أو تلقيه كمنتج إبداعي.

إن الضرورة البيولوجية للأذن، والدماغ، تطلب منا الحفاظ على التناغم الموسيقي والابتعاد عن النشاز، بل رفضه واعتباره خارج القيمة الابداعية في تلقي المقطوعة الموسيقية، وأيضًا بيولوجيا العين، والدماغ، ترفض النشاز التكويني للمشهد السينمائي، والمسرحي. إن التلقي هو جمال خفي، أوجدته الطبيعة في مركب حواس المتلقي، وهنا تتأكد ضرورة مصطلح التكوين الفني، ليس كمصطلح، بل كمفهوم واضح ومتكامل.

حضور المصطلح دون حضور المفهوم، وفلسفة هذا المفهوم، لا يفيد العملية الفنية، ليس مهمًا أن أعرف الميزانتسين في السينما والمسرح كمصطلح، وعلى الواقع يكون له مفهومًا مغايرًا أو عشوائيًا، لما يعنيه، ولما تعني ضرورته الجمالية، وحرفة التعبير عنه، بما يلائم مفهومه الذي وجد من أجله، ولضرورته في شكل وجوهر العرض الفني.

المصطلح الإبداعي ليس رأيًا أو اعتقادًا أو وهمًا، إنما أوجدته خبرة بشرية، لاءمت بين ضرورة التلقي البيولوجي للحواس والجمال والرفاهية والاستمتاع. إنها كيمياء التلقي، عبر تطور معرفي اجتماعي إنساني، بشروط جمالية، قد لا ندرك سبب تكوينها في الدماغ الإنساني.

نحن بحاجة ماسة إلى معجم المصطلحات الفنية ومفاهيمها المعرفية؛ بحيث لا ينفصل حضور المصطلح عن حضور مفهومه؛ فيرتقي الإبداع والتلقي، بخطين متوازيين، ضمن منظومة معرفية ثقافية، تبدأ من المدرسة في الصفوف الأولى؛ لتصبح تربية جمالية عبر التلقي الواعي، فيترك أثره في أرواح الناس وسلوكهم وانعكاسه على الحياة.

مقالات ذات صلة

إغلاق