كلمة جيرون

عبث

ينهمك معارضون سوريون، من كل النوعيات، في مفاوضات “مُفترضة” مع النظام السوري في جنيف، في جولة ثامنة، من سلسلة جولات لا تبدو لها نهاية على المدى المنظور، في محاولة للتوصل إلى حل سياسي للمأساة السورية التي أرهقت الجميع.

بين جولتي جنيف، ضغطت روسيا لتليين المعارضة، وتطعيمها، وترويضها، وإضعافها أكثر مما هي ضعيفة. وبين جولتي جنيف أيضًا، استخدم الروس والأميركيون العنفَ -كعادتهم- وحرقوا وسحقوا، في مسعى لتليين موقف الرافضين لـ “حلهم السياسي”، وتوعّدوا بالمزيد؛ ما لم يسر المركب كما يشاؤون.

يحاول هؤلاء إقناع السوريين، بأنهم يعملون من أجل الحل السياسي، ويقولون إنه يجب أن يكون وسطيًا، في أحسن الحالات، لا يُميت الذئبَ ولا يُفنِي الغنم، ويعتقدون أن أمر المعارضة سهل، فقد لغموها وطوّعوها وانتهوا من المهمة، وصار تنازُلها -برأيهم- سهلًا، وإن لم يكن كذلك؛ فقد باتت عناصر دمارها في داخلها، بعد أن خرقوها ونخروها بالمطواعين لهم.

يحاول هؤلاء أيضًا، إقناع السوريين بأن أمر النظام السوري سهلٌ، وسيرضخ ويتنازل، هنا وهناك، وفق ما يأمرون، ويلين هنا ويُساير هناك، بالرضا أو بالزجر، بالعصا أو بالجزرة.

لكن، في حقيقة الأمر، إما أنهم يجهلون مع من يتعاملون، أو أنهم يستهزئون بالسوريين، جملة وتفصيلًا، فكل ضغوطهم العسكرية والاستخباراتية والأمنية لا يمكن أن تُقنع سوريًا بأن هذا النظام قابل للتنازل أو الإصلاح، أو أنه يمكن أن يصحو ليُدرك، بعد فوات الأوان، أن للبشر حقوقًا راسخة، يجب أن يحصلوا عليها.

حتى اللحظة، ما زال النظام السوري يعتقد أنه قاب قوسين أو أدنى من أن يُعيد سورية إلى ما قبل 2011، وأن يعيد السوريين، كل السوريين، إلى “حظيرته”، ولا يرى غير الباطنية السياسية منهجًا، والسلاح والعنف لغةً للتخاطب، والتهييج الطائفي وسيلةً مُثلى لهذا العصر، وأن عصاه الغليظة يجب أن تنتظر من عصى.

حتى اللحظة، ما زال النظام السوري يعتقد بأنه المنتصر، ولهذا يرفض كل شيء، وسيستمر، ويُمارس كل أصناف الصلف والتشدد، ويربط الدولة والسلطة به، وكلُّ ما يمكن أن يُقدّمه من فتات هو مكرمة وجود وكرم أخلاق مؤقت واستثنائي، ويُصرّ على أنه هو الوطن، وسقف الوطن، والمستقبل الوحيد لهذا الوطن.

هو نظام لا يَصلح، ولا يُصلح، ولا أملَ منه، لا يمكن تدجينه أو الوثوق به، دمّر خلال خمسة عقود كلَّ بنى المجتمع: التعليم والصحة والإدارة والأخلاق والمبادئ، وأرعب البشر وأنساهم حقوقهم، وأثار الطوائف وسوّد ملوكها، وزرع بذور الإرهاب وسقاها، وأسس إمبراطوريات للفساد والإفساد، ثم -في حربه الأخيرة- توّج كل دناءاته، فقتل وشرّد البشر، وخلّف جيلًا من الأيتام، ورسّخ دولة الميليشيات والطوائف والأعراق والعشائر، ودمّر حاضر سورية ومستقبلها.

عبثٌ ما تقوم به المعارضة السورية في جنيف؛ إن لم يرتبط بتغيير شامل جذري للنظام، تغيير يضمن نهايةً لا عودةَ بعدها لهذا النظام، هيكلًا وبنية وأشخاصًا، تغيير يضمن فناءه لا دماره فقط، ودون ذلك مضيعة للوقت، من الطرفين: المعارضة والنظام، لأن للبشر حقوقًا سيأخذونها، وكرامة سيسترجعونها، شاء النظام أم أبى، واختُرقت المعارضة أم لم تُخترق.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق