قضايا المجتمع

مدينة مصياف وأمان النظام المزعوم

 

يتساءل كثيرٌ من أهالي مدينة مصياف عن التسمية المزعومة التي تُطلق على مدينتهم (الآمنة)، وعن الأمان الذي يعاش يوميًا، فما شكل الأمان في هذه المدينة، وبقية المدن السورية المشابهة لها؟

يتخذ الأمان في هذه المدينة أشكالًا عدة: الشكل الأول هو الخطف للأشخاص المعروفين بالمستوى المعيشي المرتفع، القادرين على افتداء أنفسهم أو أبنائهم بمبالغ مالية مرتفعة، أي (الفدية) المطلوب دفعها لعصابات الخطف، حيث يطلبون مبالغ مالية خيالية في البداية، وتكون مدة المفاوضات كافية لتعذيب وإذلال الشخص المخطوف وأسرته معًا، هي مدة يقضيها الأهل في التفكير بكيفية إنقاذ مخطوفهم، والخلاص من هذا الجحيم بعد استعادته، ولا يخفى على أحد أن الجهة الخاطفة هي من حثالة المدينة، أو ما يطلق عليهم “”الشبيحة””، الذين ظهروا بعد اندلاع الثورة في سورية، وتسلّطوا على الناس، وتحكموا بمفاصل حياتهم اليومية، واتبعوا أسلوب الخطف، ليس بهدف السرقة وحسب بل بهدف إخافة الناس وبث الرعب في نفوسهم؛ كي يكونوا عاجزين عن القيام بأي عمل تجاه هؤلاء الأشخاص، وتجاه ما يحدث في بلدهم.

لم يعد “الشبيحة” مجموعات صغيرة، مهمتها السيطرة على منطقة معينة، بل أصبحت تحمل أسماء جديدة (عناصر الدفاع الوطني)، وفُتح باب التطوع لحثالة شباب المدينة، ضمن هذه المجموعات، وأصبح لديهم واجب (وطني) وقادة، وأصبح الخطف يطال الفقير قبل الغني، ولو كان مجرد سائق تكسي بالأجرة، يعمل ليل نهار ليؤمّن لقمة العيش لأهل بيته، يخطف هذا السائق البسيط لتسرق سيارته، ويُردى قتيلًا على أطراف المدينة، والفاعل ينجو بجريمته فهو من (عناصر الدفاع الوطني)، ولا أحد يستطيع محاسبته أو ملاحقته، فسلطة هذه العناصر أقوى من القانون والمحاكم، وأيضًا هناك الخطف الذي يطال كل من يُشكّ في أنه مُعارض لسلطة الاستبداد والقمع، وحينئذٍ تكون حياته هي فديته الوحيدة.

أما الشكل الثاني فهو سرقة مخصصات المدينة من (غاز، بنزين، مازوت، طحين … الخ)، واحتكارها من قبل “الشبيحة” أيضًا، والتحكم بأسعارها، ومنع الناس من امتلاكها، ودفعهم إلى السعي لتأمينها، بأي وسيلة (إن أمكن)، أو البحث عن بديل لها، مهما كان هذا البديل. هذا التحكم بالحاجات الأساسية لاقى لدى أغلبية المواطنين شعورًا بأن هذا البلد لم يعد لهم، وأن من يمتلكه هم أولئك الذين يتقنون فن السرقة والتشبيح وإذلال الناس، عصابات القتل التي لا تعرف شيئًا سوى الخِسّة.

شكل آخر هو انتشار السلاح، فلا منطقة آمنة من دون سلاح، سلاح أصبح هو الحكَم في أي مشكلة تحدث، فإن امتلكته ربحت، وإن لم تمتلكه خسرت، إما قضيتك أو حياتك في الأغلب. ذلك السلاح أصبح من مفردات لغتهم، فلا تعبير يمتلكون غيره، فإذا فرحوا؛ أطلقوا الرصاص ابتهاجًا، وإذا حزنوا؛ كان الرصاص تعزية، وحتى في سهراتهم، لا عجب إن صدح (موّال) وأعجبهم أن يكون الرصاص هو فرحَهم، رصاص يجعلك تظن أن الجولان قد تحرر، لا بل البلد بأكمله، أصبح الرصاص لغتهم، هذا الرصاص الذي حصد أرواح كثير من الأبرياء الذين لا ذنب لهم إلا أنهم من أهالي المناطق الآمنة، ولا عزاء لمن يُقتل برصاصهم الطائش، إذ لا عقوبة تطالهم.

شكل آخر للسرقة، في بداية الثورة كانت سرقات “الشبيحة” لا توفر أخضر ولا يابسًا، لا منزلًا ولا أرضًا، لا محلًا أو أدوات كهربائية، فكل موجود متاح للسرقة، ولكن بعد تحول “الشبيحة” إلى (عناصر دفاع وطني)، وخروجهم للقيام بواجبهم التعفيشي؛ كثرت المسروقات لديهم، حيث لم يتركوا شيئًا لأهالي المناطق التي سيطروا عليها، نهبوا كل ما أُتيح لهم، وهذا ما جعل نمط سرقتهم يتغير في المناطق التي يتحكمون بها؛ فأصبحوا يقومون بالسرقة ويتركون الخيار للشخص الذي قاموا بسرقته، فإن كان يريد استعادة ما سرقوه؛ فلا بد له أن يلجأ إلى وسيط تربطه علاقة مصلحة مع “الشبيح” الكبير، ليعيد له ما سرق، وهذا الاسترجاع لا يتم مجانًا بالطبع، بل يتم لقاء دفع مبلغ من المال للشبيح الكبير الذي سيتقاسمه مع من أوكل إليه مهمة السرقة (من عناصره طبعًا)، وفي بعض الأحيان، تكون قيمة المبلغ أقل بشيء بسيط من قيمة ما سرق، وأحيانًا القيمة ذاتها، أي أن الشخص المسروق يضطر إلى أن يشتري ما كان يملكه بالأساس.

هذا، ولن نتكلم عن الأسواق وحيتانها التي أبدعت هي الأخرى في زيادة تعاسة أهالي هذه المناطق، وكيف تحكمت بأسعار السلع الرئيسية، وبلقمة عيشهم اليومية.

هذه بعض أشكال الأمان في المناطق الآمنة (بعضها فقط)، الأمان المُدّعى من قبل حكومة النظام الذي يريد أن يُسوّق نفسه إعلاميًا، عبر مصطلحات تطرب السامعين، بأن هناك مناطق آمنة. والنظام السوري يُدرك أكثر من غيره أن مهمة السيطرة على هذه المناطق قد أُوكلت للشبيحة؛ كي يجعلوا حياة الكثير من أهلها كوابيسَ ليلية وهمومًا يومية، تنقل المواطن من حالته كإنسان حالم طموح مبدع، إلى شخص خائف ضائع في بلده، يسعى إلى النجاة بنفسه وعائلته، حتى لا يطاله الموت المغلف بالحياة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق