تحقيقات وتقارير سياسية

من الرياض 2 إلى جنيف 8 واستعجال الحلول

سيكون للسوريين موعد آخر، في الثامن والعشرين من الشهر الجاري، بعد أن انتهت جولة أخرى من البازارات المظلمة، التي تعاملت مع قضيتهم كسلعة رخيصة، ثمنها مزيد من الضغوط، وبعض التصريحات الفضفاضة في ما يتعلق بمستقبل سورية، وكما في الجولات الماضية للمفاوضات التي بدأت قبل أكثر من خمسة أعوام، واتخذت أسماء عديدة، ينتهي فصل من البشاعة، ليبدأ آخر، مؤكدًا عدم جدوى تزيين بازارات الدم، مهما قيل عنها، وقد غدت أعزوفة ممجوجة، لا يصدقها إلا من استطاب موت وذل السوريين، ويأمل في استسلامهم.

يدخل المفاوض السوري في مواجهة، بين البارود الأسود والدم القاني، ربما ليؤكد أن الصراع باق حتى النهاية، ما بقيت الأسدية حركة عدوانية، استمرارها سيفشل كل الرغاء عن المجتمع والسياسة والانتخابات والمرحلة الانتقالية، أو ربما ليؤكد أنّ الدفاعَ عن فعل المجازر والوحشية ومكافأة الفاشي تتمةٌ لعجز المجتمع الدولي الذي اكتفى بترقيم غرف المفاوضات وأماكنها، في تسلسل يعكس الصدى الباهت والواهن حد الخجل، لرفع الضيم عن الشعب السوري.

لم يكن يتوقع أحد أن ينتهي اجتماع (الرياض 2)، بأقل مما انتهى إليه، من إجابات باهتة وواهنة على التحديات الكبيرة التي تواجه الشعب السوري، بدءًا من تطورات الوضع المأسوي على الأرض، ومسائل مستقبل سورية المقبل دون الأسد، وليس انتهاءً بموضوع دعم تطلعات الشعب السوري في حريته وكرامته المفقودة، وتجديد آليات العمل السياسي. ففي الإجابة الأبرز، بعد أن تقدّمت المطالب الروسية والإيرانية والتركية بعد قمة سوتشي الأخيرة التي جمعت زعماء تلك البلدان، بتنحية المطلب الأساسي المرتبط بوضع النظام السوري ممثلًا ببشار الأسد، كبندٍ مهم يُفترض أن يكون على جدول أي اجتماع يتناول الوضع السوري؛ تاه المشاركون بين تصنيفات ثلاثة لهذا البند، وبقي جدل المشاركين في مؤتمر (الرياض 2) للمعارضة غير بعيد من ضغط المكان والإقليم لهذا البند.

تسعى بعض الدول أو معظمها جاهدة، للتأثير في بنية المعارضة السورية وتمثيلها وتمويلها، ولتشكيل اختراق لموقف المعارضة من العملية السياسية الهشة أساسًا، من موضوع استمرار النظام في وظيفة القتل المدعوم إقليميا ودوليًا، وبدت موسكو وطهران وأنقرة مستعجلة لإبرام حلول ظاهرية، فناقشت واستفاضت -ثنائيًا وجماعيًا- بمباركة المبعوث الدولي دي ميستورا، قبل أن توقظ ذاكرة البعض بأن دماء ضحايا الطاغية في دمشق لن تجف إلا برحيله، وأن وجوده ومفاوضته أكثر “ملائمة” للواقع المتهالك لسياسة الدول الراعية لقوى المعارضة السورية، بل إن الأسوأ في ما عكسته هرولة البعض لإعادة هيكلة المعارضة السورية، لم يقتصر فقط على تغيير بعض الوجوه، ولا على تعدد وجهات النظر من مصير رأس النظام، إنما تعدّاه لتأجيل البحث في جوهر المطالب الأساسية التي ستشكل عماد جنيف المقبل وسوتشي، وأي تسمية أخرى يكون النظام فيها طرفًا للتفاوض بمباركة ودعم دوليين.

وفق مشهد التكتل الإقليمي الجديد الذي تقوده موسكو وطهران وأنقرة والرياض، قد لا يكون رأس النظام السوري اليوم عدوًا للإنسانية، وقد لا يكون كذلك غدًا، طالما أن محور العمل متعلق بشعار “الإرهاب” وترتيب العملية السياسية، على أن المشهد السوري ذاته سيبقى يحتمل بقاء الصراع، مع بقاء العناوين والأدوات والأسباب والأذرع التي أججته، وانحدرت به إلى المستوى الكارثي. وبعد أن تحول الصراخ إلى همس ثم إلى صمت عن جرائم متواصلة، تخلو المواقف من إيماءة عين أو إشارة إصبع باتجاه الجلاد السوري؛ ستبقى استحالة الهرولة لاجتراع الحلول تسيطر على المشهد.

أخيرًا، كل سوري يعرف المدخل لقيام تسوية تاريخية، لصراع دام خمسة عقود مع الاستبداد والطغيان، وستة أعوام من المذابح والدمار، هذه التسوية تقوم على إسقاط كل ما نتج عنهما، وهو الذي يُعطي ضمانة حماية الهوية الوطنية، ويسهم في تعميقها وبلورتها ودفعها أكثر نحو الحرية والمواطنة والمساواة. دون النظر إلى تلك المداخل ستبقى “فذلكة” تسمية المفاوضات ووفودها وأرقامها، من الرياض وطهران، إلى جنيف وأستانا وإسطنبول وموسكو والقاهرة. حالة الاشتباك مع الاستبداد كانت قائمة منذ خمسة عقود، فكيف يتوقع اليوم دعاةُ المفاوضات وداعمو المجرم إسقاطَ حالة الاشتباك معه، بتأجيل النظر في مصير عنقه المثقل بكل الجرائم، لن تُستعجل الحلول دون وضع الرقبة في حبل العدالة.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق