أدب وفنون

محاولات البقاء وصيانة الذات والجماعة

الحقيقة السحرية:

ترتدي القوى في العالم الطبيعي البدائي هالاتٍ سحرية أخّاذة، وهي فائقة في إنجازاتها، حاضرة بكيانها الطقسي على الدوام، لدى البدائي، ووجودها بهذا المعنى هو وجود بالفعل؛ ذلك أن الإنسان هو من أسند الدور إليها ومجّد سحرها وقوتها، ففي تلك الأزمنة السحيقة لم يتخط الإنسان كثيرًا عتبة التفوق والسيطرة، وهو يحاول جاهدًا استرضاءها، والحصول على عونها في البقاء والنجاة من الأخطار، وهي بذلك أي تلك القوى قد امتلكت وظيفة نفسية، وفي الوقت ذاته اقتصادية، وما صور “الفتش” Fitch الأولى والطقوس “الطوطمية” Totem إلا طريقة طبيعية، في محاولة البناء والبقاء وصيانة الذات والجماعة، أمام قوى الطبيعة الطائشة. أمام هذه الحالة، نكاد لا نستطيع أن نميز العقلاني من اللاعقلاني. لنقل إنها كانت المحاولات الأولى للعقلنة، بشكل من الأشكال، لقد كان الإنسان وقد امتلك أدوات الصيد المجهزة جيدًا، وأنشأ الجماعات الأولى، واكتشف النار، وقام بالزراعة، وشاد المستوطنات الأولى، وقد غدت الثقافة -منذ تلك الآونة- هي سيدة الموقف، وهي المسؤولة عن درجة تمايز أفراد الجماعة، فالساحر والطبيب والعارف قد اندمجوا في شخصية واحدة. يخبرنا الشامان -مثلًا- كيف لنا أن نتصرف أمام الأخطار، وكيف نستجلب المطر، وكيف يطرد الروح المسببة للمرض، وفق حالات سرانية، يقوم بها وطقوس محاكية لتلك القوى. وما هذه الحيازة في التأثير على القوى إلا لأنه قد امتلك قناع (البرسونا Persona)، كما يسمي (يونغ) هذه القوى، وكان بذلك صلة الوصل بين الناسوت واللاهوت.

يمكننا عند هذه المرحلة رؤية تصور الإنسان عن الوجود في مستويين: أحدهما واقعي حياتي دنيوي، والآخر قدسي ومفارق. سنتوقف هنا قليلًا عند ثيمة الساحر، حيث نجد أن هذه الشخصية لعبت دورًا كبيرًا في معظم الديانات، وكانت ذات تأثير كبير في بنية الأساطير، ولم تنسحب تمامًا حتى في الديانات الشرق أوسطية، بل تم النظر إليها على أنها تمثل قوى الشر والدمار، وهي مغلفة بهالة تمتزج فيها الأعجوبة مع الخوف، فالخوارق التي يقوم بها الساحر تخلق انطباعًا مزدوجًا، من ثنائية المشاعر بين الإبهار والخوف، ويمكننا الفهم على اعتبار أن الأفعال السحرية التي تخرق القانون الطبيعي مخيفة؛ حيث إنها تهدد بنيان المعرفة والخبرة البشرية، بنوع مختلف من القدرة فوق الطبيعية يؤدي إلى حالةٍ من الانبهار والتعجب الممتزج بذلك النوع من الخوف المدهش، وطالما بقي هذا التأثير السحري؛ فإن المتلقي أصبح رهينَ الحقيقة المتولدة عن هذا العمل. ولا يغرب عن البال أن مبدأ الحس العام أو المشترك يكون في هذه الحالة أشد ارتباطًا وتوترًا، من خلال الفعل السحري. بل أكثر من ذلك، إن الحقيقة السحرية -إذا صح التعبير- غدت منذ هذه اللحظة مبدأً للمعرفة والحس. والسبب في ذلك هو التفوق الملاحظ لسيرورة القوى الطبيعية، ولكثافة الحضور السحري، في تفسير الحقيقة الواقعية، وما يجري هو عملية إبدال عقلية للحقيقة السحرية بالحقيقة الواقعية؛ بسبب تماهي الشخصية السحرية مع الثيمة القدسية. فالجَرحُ في معنى هذه الحقيقة هو من أشد الموبقات على المستوى الجمعي.

وفق ما تقدم؛ نلاحظ أن المعارف السحرية هي معارف قدسية. لكن الأساسي هنا كيف يمكن خداع التجربة الحسية العقلية وبشكل مستمر، مع تنامي وتراكم الخبرات الحياتية؟ يمكننا القول إن الخبرات الدينية قد دعمت هذا النوع من المعرفة، فقد استمدت منه سلطانها، وفق أحوال محددة. جميعنا يعلم أن صغار السن والبسطاء هم الأشد تأثرًا وأكثر قابلية للإيحاء من باقي الأفراد. سنحاول المضي أبعد لمعرفة سرّ عملية إبدال المعرفة الحسية العقلية بالمعرفة السحرية.

من المعلوم أن الخبرة البشرية في مبتداها كانت مليئة بالتجارب الفاشلة، حتى نجح أحدهم مرة، سواء في اكتشاف النار، أو في صناعة الأدوات من أجل الصيد أو الهروب من الضواري، وإعداد خطط من أجل حيازة الحيوانات، وحتى في ابتكار الزراعة في ما بعد، المهم هنا أن الأفراد الذين تمكنوا من النجاح، في نهاية المطاف، قد ساعدوا في نقل تلك الخبرة إلى الآخرين، بشكل مباشر وغير مباشر، حتى تتمكن الجماعة من تحقيق الغرض المطلوب من أجل البقاء. وبذلك كانت تتنافس الجماعات البدائية، في تحسين شروط بقائها وتكيفها، وفق البيئات التي عايشتها، ولا يغرب عن البال أن مجموعة محددة من الحيوانات قد تفردت بالمكانة عن غيرها، لدى صيدها واستئناسها، وشكلت في ما بعد رمزًا طوطميًا قدسيًا، لقد حاز الأفراد الذين (جسّدوا) روح الطوطم، بمكانة فريدة لدى العشيرة، ومنذ تلك اللحظة؛ كانت القوى الطبيعية، يمثلها الطوطم رمزًا لقوى الطبيعة القدسية.

مقالات ذات صلة

إغلاق