أدب وفنون

سرير كافكا

 

أتعلّق بحبل طويل وأطير، تنقرُ العصافير في السماء يدي الفارغتين.

حسنًا، قال لكِ رفاقكِ، أن تجمعي أوراقك الضرورية في حقيبة صغيرة وتضعيها جانبًا، منذ ست سنواتٍ وأنتِ تفتشين عن تلك الأوراق الضرورية، هل كانت العصافير تقصدها أيضًا؟

تنقذني خربشات الحيطان، التي كتبها أصحابها على عجل، لقد طمرتُ إحداها في جيبي وأنا أحلم.

والآن هل تريد أن تعرف عنواني، أيها القمر؟

تعود قصائد سيلفيا بلاث إلى المكتبة، وتتساءلُ: من وضع في صحن السجائر قطعةَ النرد، وقصاصةً لابتسامة مارلين مونرو الحزينة؟

يبدو الناسُ عراة لطفاء، عندما ترنو بقدميها الحافيتين من ثقوب ستارة الدانتيل إلى الشارع. تعيش عتباتٌ وتتوالد في الذاكرة، تطمئن الذاكرة إن اشتريت بيتًا، تموت البيوت في الحروب، وتتسلق الحروب أعلى كتفيك صوب المنفى، وهناك ترتدي ساعة في يدك، وساعة على حائطك، وساعة في موتك.

الملل عابر، لم تسع إلى قتله أبدًا، التعاسة عابرة أيضًا، إنها في سجلاتها النفسيّة حالات من الاسترخاء اللامتناهي، تريد أن ترقب دعساتها العميقة فوق الوحل، هل راقبتَ أسنانك في حالات كالعزلة مثلًا؟

بينما يسجل الموظفون إحصاءات الموتى والمفقودين، في جداول الدفاتر البيضاء الضخمة، تجلدُ الريح النافذة بسياطها، هل نسيتم أحدًا ما؟

الصداع يخلع مروحة السقف من مكانها، يثبتها في إصبع قدمها، ويطير بها صوب سرير كافكا الصدئ.

صوت ديمة أورشو رقيقٌ وعذبٌ، كحفنة أزهار ياسمين تحت وسادة، كتنور يفيق أول الفجر، لكنه يريد جسدًا يشبهه، يلد اللحن من الطبيعة وينساه في الطبيعة.

نجمةٌ ميتةٌ منذ آلاف السنين، وعلى ضوء نهايتها الساطع، يثبّت الجنود الألغام أولّ الحقل.

الشَّعر الأشقر من خصلات عرنوسِ الذرة، الوجه المدوّر من غطاء زجاجة العصير المعدني، الجسد من قصب الأنهار، الفستان من الخرق المعطوبة الملتفة بين أغصان الصفصاف، نصف فم مرسومٍ بقلم رصاص، زرٌ أسود أُلصِقَ مكان كل عين، تصنع الفتاة دميتها بطريقة جديدة، فلا أزرار ملونة في الريف، ولا أحمر شفاه مخبأ بعد كلّ هذا الموت.

على شاطئ البحر، يتمشى عجوز مع كلبه، ليست صورة فوتوغرافية مكرّرة، ولا حتى لقطة مأخوذة من فيلمٍ سينمائي، فلم يحدث مرة أن وقف كلبٌ متأملًا الغروب، بينما يبول صاحبه فوق الرمل.

الرسوم فوق فناجين القهوة مفيدةٌ وذات حضور إيجابي في بيت امرأة وحيدة، لم يخبرني طبيبي النفسي بذلك، ولم أسمع هذا الخبر في آخر الدراسات المعملية النفسيّة التي حلّلت حتى عناصر الخجل، على الرغم من كل النقوش والألوان والحروف خارج جسدكِ، تعيشين في قلبكِ أيتها الفناجين.

صباح الخير، يا نهر الفرات، من شباك سيارة الأجرة، رأيتُ امرأة تسرعُ الآن، ترتدي فستانًا أسود طويلًا، وتلفُّ رأسها بوشاح أحمر غامق، تحملُ فوقه أرغفة خبز طازجة، الوشوم الجميلةُ أسفل ذقنها الأسمر، ذكرتني بكَ، أظنها من أقربائك.

“أن أعود إلى بيتنا وإلى مدرستي”، المذيعة سمعت الطفل بكل ما استطاعت من أداء وآليةٍ وحِرفيّة، وانتقلت مع الميكرفون والعدسة، بسرعةٍ خاطفة، خارج الخيمة، كي تسأل أطفالًا آخرين السؤال عينه: ماذا تتمنى؟ أحدهم صمت مطولًا، ولم يجب، ثم عصر الكرة بقدمه مع الحصى والرمل والغبار، ورماها بعيدًا بعيدًا.

تحطمت لوحة موديغلياني فوق السرير، كانت الريحُ قويّة في الأمس، تقول أمي، لعلَّ الحائط ضجرَ من جسده، تقولُ علاّقة الثياب، أو أنّ جارتي الأرملة في الطابق العلوي غيرّت مكان سريرها، فتحركت اللوحة وسقطتْ، أقولُ أنا، أو ربما أحبّت جيني حبيبة موديغلياني الانتحار مرة أخرى، تقولُ المرآة.

الشموع قرب صور الموتى، وفي الجنازات، بجانب الأضرحة، وبرفقة ضحكة عيد ميلادك التنكرية، وداخل متاحف المشاهير والعظماء، في الكنائس والنذور والأضحية والدعوات، بين عاشقين، بين سريرين.

دومًا، تتلعثم الشمعة في أداء المهمة الموكلة إليها، ويرتجف الضوء من كل هذا الخوف.

يرافق النبع في سيره حكمة قديمة تتمنى الأشجار الموت قربها.

الثورة لا تسقط إلينا مع المطر، حتى لو تبخرت المفاتيح فوق البحر.

يتأمل الملك حزن البلبل داخل القفص، ويتأمل البلبل حزن الملك داخل القصر.

يشرب عمال المناجم عرقهم عندما يعطشون، وعندما يخافون تصير وجوههم واحدة.

يقتلها ألم الضوء المتسرب بين شقوق الأبواب، وهي تفتش في جلدها عن شامة، كانت فوق يدها اليمنى، قبل أن تبدأ الحرب.

منذ يومين، العنكبوت تنسج بيتها الجديد حول نافذة السجن العالية، ريشة طائر مهاجر تسقط وتهتز بين شباكها، يراها السجين الجديد قاربًا يطفو وسط البحر.

تضع العجين في الفرن، تلاحق ذباب الصيف بمنشفة قطنيّة، ترغبُ في الحبّ، وتخاف آثار السعادة، تطبخُ وحيدة أكلة جدتها المفضلة، تضع صحنًا أمام قطتها “سيمون” وصحنًا قرب صورة زوجها المفقود، تنظفُ البيت وحيدة، وتغني أغنيات أمها المفضلة، تستحمُّ مغمضة عينيها، تصغي إلى أخبار الطقس باهتمام مبالغ، تحبُّ العواصم الموزعة فوق الخريطة كقطع سكر، وتفكر بامرأة فقدت زوجها، ربما تعيش هناك، في مدينة تظهر أسفل الخريطة، يتساقط الثلج فيها بغزارة.

لم ترغب في شرائه، شعرتْ وكأنها تنزعه بقوّةٍ من إصبع إحداهن، عندما ارتدته في إحدى مساءات الصيف، منتظرةً زوجها القادم من الصيد، الخاتم الفضيّ العتيق بزمردة صغيرة في وسطه، الغافي منذ زمن على واجهة أحد محال الأغراض المستعملة والمسروقة، في “باب شرقي”.

قبل الجميع، قبل أن تفتح المؤسسات والمدارس والسجون والمحاكم أبوابها، تستيقظ دور الأيتام وسط العاصمة، الأحلام التي ترافق ليله ثقيلة وواسعة بما يكفي كي تغيب التفاصيل وراء النوافذ وتُقذَفُ الحياة كقشور برتقال إلى الخارج.

منسقُ الأشجار حول المبنى يشمّرُ عن ساعديه ويغني، والبواب يسحب كرسيه وكأس الشاي معًا، نحو الزاوية المشمسة، على الطرف الآخر تقف إحدى الأمهات البديلات وتشعل سيجارة.

مقالات ذات صلة

إغلاق