قضايا المجتمع

(قلمون) في عددها الثالث.. ياسين الحافظ مفكرًا معاصرًا

 

أصدر (مركز حرمون للدراسات المعاصرة)، أول أمس الإثنين، 20 تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي، العدد الثالث من مجلة (قلمون) العلمية المحكّمة، وقد خُصّص العدد لتحليل النتاج الفكري للراحل ياسين الحافظ، وهو مُفكّر سوري بارز في مجال الفكر السياسي، وعُنوِن عدد المجلة: ملف العدد (ياسين الحافظ مفكرًا معاصرًا).

ولد ياسين الحافظ، في مدينة دير الزور في عام 1930، وتوفي عام 1978، تاركًا وراءه ثروة فكرية ثمينة ما تزال علامات المعاصرة جزءًا لا يتجزأ من مضامينها الفكرية والسياسية والحضارية حتى وقتنا الراهن.

كتب كلمة العدد يوسف سلامة الأكاديمي في الفلسفة المعاصرة، وعضو مجلس أمناء مركز (حرمون)، تلاه مقالان غير محكّمين: الأول كتبه خضر زكريا عالم الاجتماع والمفكر السوري، ورئيس مجلس أمناء مركز (حرمون)، تحت عنوان (في التنمية)؛ والثاني كتبه حسام السعد، مدير وحدة البحوث في مركز (حرمون)، بعنوان (التمثلات الجمعية للآخر السوري: النسق الوظيفي لشرعنة العنف) فيما تضمن ملف العدد الثالث من (قلمون) خمسة أبحاث:

في البحث الأول، يفض جاد الكريم الجباعي، وهو مفكر وكاتب سوري، تصوّر ياسين الحافظ لمفهوم (الثورة القومية الديمقراطية)، وينبّه إلى أن مفهوم (التأخر التاريخي) هو المفهوم الأهم عنده، من أجل فكّ ألغاز العجز عن التحول إلى الحداثة والديمقراطية والدولة الوطنية، وغيرها من الأمور التي لا سبيل إلى تحقيقها، من دون انتصار هذه (الثورة القومية الديمقراطية).

في البحث الثاني، يكشف الكاتب السوري منير الخطيب، عن دلالة مفهوم الوعي الكوني، ودوره الحاسم في “إنضاج الشروط الأيديولوجية والسياسية اللازمة لنقل الشعب العربي، من نمط مجتمع تقليدي إلى آخر، أي إلى نمط حديث معاصر”، ولم يكن لمفهوم (الوعي الكوني) أن يحتل هذه الأهمية الاستثنائية -في نظر ياسين الحافظ- إلا لأنه الشرط الضروري لامتلاك النخب السياسية والثقافية هذا النوع من الوعي الذي يسمح بتخطي مجتمعاتنا وعيَها (المحلوي)، وانفتاحها على العصر.

في البحث الثالث، يواصل صقر أبو فخر، وهو كاتب وباحث متخصص في الصراع العربي- الصهيوني وقضية فلسطين، مسيرة البحث عن المفهومات عند ياسين الحافظ، كاشفًا عن قابليتها غير المحدودة للانطباق على الظواهر التي انشغل مفكرنا بدراستها ومعالجتها. ومن أهم المفهومات الجديدة التي نلتقي بها هنا هو مفهوم (الاندماج الاجتماعي والقومي)، فضلًا على التقابل الذي يقيمه ياسين الحافظ، بين (القومي والأقوامي). وفي التطبيق الإجرائي لهذه المفهومات، أظهر مفكرنا وعيًا عميقًا وبصيرة نافذة، عندما قرر أن “مشكلة الأقليات العربية هي إحدى ظاهرات مشكلة الأكثرية”، أي إن على الأكثرية مهمة تاريخية تتمثل في “صوغ مشروع سياسي ديمقراطي، لإدراج الأقليات الطائفية والإثنية وإدماجها في إطار الدولة الوطنية المؤسسة على الديمقراطية والعلمانية والمواطنة والمساواة”.

في البحث الرابع، يتابع عبد الله تركماني، الباحث في مركز (حرمون)، تجربة البحث عن المفهومات التي بُنيت منها الشبكة المنهجية التفسيرية، لدى ياسين الحافظ، فيكشف لنا عن مفهوم (الوعي المطابق)، وهو في نظر الكاتب بمنزلة (أداة نظرية ناجعة) قد “عنت إنتاج وعي مناسب لحاجات هذا الواقع للتقدم”. وإذا كان التقدم يعدّ الحاجة الرئيسة والمصيرية للعرب، فإن الباحث يظهر أن استخدام مفهوم (الوعي المطابق) قد مكن مفكرنا من إزاحة كثير من العقبات والصعوبات السياسية والأيديولوجية الناجمة عن قصور التحليل وضعف التنظير وترهل المفهومات لدى البعثيين والناصرين في التيار القومي، بينما كشف هذا المفهوم نفسه، في الماركسية العربية، عن “ضيق العبارة والأفق وتكلس الصيغ، حين استعاد روحها النقدية”.

في البحث الخامس والأخير، يؤكد الباحث طارق عزيزة أن فكر ياسين الحافظ، جاء نتيجةً لما انطوى عليه من أدوات منهجية عصرية، أثبت نجاعته في تحليلاته المتعمقة لكثير من أوجه التخلف والسبل الممكنة للخروج منه، الأمر الذي يدل على راهنية هذا الفكر. والباحث يستدل على صحة حكمه هذا، بالرجوع إلى الفاعلية والكفاية التي استخدم بها ياسين الحافظ مفهومه عن (العلمانية)، فلمْ تعد تعني الإلحاد، بل الوقوف على مسافة واحدة من الأديان كلها. وبذلك، تحولت العلمانية إلى رائز للحداثة ولكل ما هو حداثي، ومن ثمّ؛ فقد أصبح من المتعذر على أي أيديولوجية قومية أو ثورة اشتراكية إلا أن تكون مقترنة بالعلمانية، والنتيجة هي أن العلمانية لم تعد تحيل على محض فكرة أو تصور ذهني فحسب، بل أنضجت حالة فعلية للواقع التاريخي والسياسي.

يُختَتم ملف ياسين الحافظ بشهادة ثمينة من سعيد ناشد، الأستاذ في الجامعات المغربية، ويلقي فيها ضوءًا على القيمة العامة لفكر ياسين الحافظ من ناحية، ويكشف فيها، من ناحية أخرى، عن الطريقة التي تعرف بها المفكرون في المغرب العربي إلى هذا الفكر الوارد من المشرق. ولم تغفل هذه الشهادة عن الإشارة إلى التفاعل الخلاق والمبدع، بين فكر ياسين الحافظ والإنتلجنسيا المغربية والإعجاب الذي حظي به أيضًا.

في هذا العدد أيضًا، استعراض لمجريات ورشة عمل نظمت تحت عنوان: ثورات الربيع العربي من منظور مفهوم (التأخر التاريخي). لقد أتاحت الورقة الخلفية لهذه الورشة، بما انطوت عليه من أسئلة مهمة وُجهِّت إلى عدد من المهتمين بالشأن العام والسياسي بصفة خاصة، تقديمَ رؤى غنية متعددة ومتنوعة ومتباينة، في قيمة مفهوم (التأخر التاريخي)، من الناحية النظرية، وجدوى تطبيقاته من الناحية العملية.

في هذا العدد أيضًا، مواد أخرى ذات صلة قوية بفكر ياسين الحافظ، وذلك لأن مشروعه قد انصب أساسًا على التنمية السياسية للحياة الاجتماعية من جهة، وعلى تنمية وعي الفرد بذاته وتأكيد استقلاله وحريته من جهة أخرى. والعرض الآتي، في حد ذاته، كاف للكشف عن هذه العلاقة، سواء في المقالين غير المحكمين اللذين يُفتَتح بهما هذا العدد، أو من خلال الدراسة المتعلقة بأزمة التنمية في العالم العربي. ومن المفيد الإشارة إلى أن هذا العدد من (قلمون) يُختتم بمراجعة لكتابين، يهتم أحدهما بتحليل صورة (الآخر)، من خلال دراسة ميدانية أُجريت على مرتادي (معهد العالم العربي) في باريس، بينما ينصب الثاني على (التعبيرات الرمزية) التي اتخذها الصراع بين الفرقاء المصريين، في ما بعد الخامس والعشرين من يناير في مصر. وكلا الكتابين نافع في بابه، ويكشف بجلاء عن أهمية الموضوع الذي يعالجه.

وإذا ما عدنا إلى المقال غير المحكم الأول الذي كتبه عالم الاجتماع والمفكر السوري خضر زكريا، تحت عنوان (في التنمية)، وجدناه ينطلق في تناوله لهذ المفهوم من رؤية للإنسان، مختلفة الاختلاف كله عن النظرة السائدة في هذا النوع من الدراسات التي تُعلي من أهمية العنصر الكمي المجرد في دراسة التنمية وتحليلها.

أما في المقال غير المحكم الثاني، وهو ما جاء بعنوان (التمثلات الجمعية للآخر السوري: النسق الوظيفي لشرعنة العنف)، فإن حسام السعد، مدير وحدة البحوث في مركز (حرمون)، يقدم لنا قراءة عميقة متميزة ودقيقة لرؤية السلطة والموالين لتطور صورة السوري وانقسامها على ذاتها، بفعل أحداث الربيع السوري التي أفضت بالموالين إلى إنتاج نسق وظيفي، أصبح من الممكن بموجبه للموالين والسلطة، على حدٍ سواء، أن ينتجوا تبريرًا لممارسات القتل والاعتقال والاضطهاد والتهجير القسري وغيرها من صور العنف، في حين إن هذا النسق -في حقيقته- لا يزيد عن كونه ناجمًا عن سلسلة من عمليات الاستبدال الزائفة والوهمية.

أما الدراسة الأخيرة، فقد كتبها يونس بلفلاح، الأستاذ في جامعة (ليّل) الفرنسية، تحت عنوان (أزمة التنمية الإنسانية الشاملة في العالم العربي: دراسة في تأثير الاستبداد السياسي والريع الاقتصادي في المسار التنموي). وهنا، يبين لنا الباحث أن العالم العربي قد عرف لعقود طويلة عجزًا تنمويًا كبيرًا، يرجع إلى تفشي الاستبداد السياسي والريع الاقتصادي، ما أدى إلى أزمة كبيرة في التنمية الإنسانية الشاملة.

جدير بالذكر أن (قلمون) مجلة فصلية دورية محكمة، يصدرها (مركز حرمون للدراسات المعاصرة)، كل ثلاثة أشهر (صدر عددها الأول في ربيع 2017)؛ تقدّم دراسات فكرية واجتماعية وسياسية، ومراجعات للكتب المهمة، ولها هيئة تحرير علمية، وهيئة استشارية تشرف على عملها، ومجموعة من المحكّمين من ذوي الاختصاص. ولقد خصصت المجلة -في وقت سابق- عددها الأول للاحتفاء بفكر الراحل صادق جلال العظم، فيما خصصت عددها الثاني لمجمل الشؤون التي تشغل بال السوريين الأكراد، في الحقبة المعاصرة من تاريخ سورية والمنطقة، تحت عنوان (الأكراد السوريون: التاريخ والثقافة).

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق