سورية الآن

إسرائيل عندما تغيّر مقارباتها السورية الإيرانية

 

في وقتٍ ترفع فيه إسرائيل درجة استعداداتها الحربية، وتنشر مزيداً من دباباتها وقطع المدفعية والصواريخ، وتنصب القبة الحديدية قبالة قطاع غزة، وتهدّد بالويل والثبور، خشيةً من انتقام حركة الجهاد الإسلامي لنحو اثني عشر من أبنائها سقطوا في عملية قصف النفق أوائل نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، تحوّل حكومة بنيامين نتنياهو اهتماماتها، فجأةً، نحو حدودها الشمالية مع سورية، ويطلق أركانها سلسلة من التصريحات النارية، لتحذير كل من يعنيهم الأمر، بمن فيهم الروس والأميركيون، أن الدولة العبرية سوف تتصرف من الآن فصاعداً وفق احتياجاتها الأمنية، لا سيما في الجبهة الجنوبية الغربية، المحاذية لهضبة الجولان المحتلة.
ويبدو أن هذه النبرة الإسرائيلية العالية، أتت ردة فعلٍ غاضبة على مذكرة التفاهم الأميركية الروسية، الموافق عليها في قمة دانانغ الفيتنامية من الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، والخاصة بتثبيت منطقة خفض التصعيد، القائمة فعلاً، في جنوب غرب سورية منذ الثامن من مايو/ أيار الماضي بوساطة أردنية، تلك المذكرة التي قال الأميركيون إنها تتضمن تفاهماً بين الدولتين الكبيرتين على جلاء جميع القوات الأجنبية عن هذه المنطقة، بما في ذلك القوات الإيرانية والفصائل المسلحة الموالية لها، وهو ما نفاه وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، جملة وتفصيلاً، قائلاً إن بلاده لم تعد بذلك، وإنه لن يبحث فيه مع السلطات السورية.
يبدو أن إسرائيل كانت تعول كثيراً على تفاهماتها السابقة مع واشنطن وموسكو على إبعاد
الوجود الإيراني الكثيف في سورية عن خط الهدنة مع الجولان، إلا أن الحسابات الأميركية التي لا تأخذ في اعتباراتها السورية غير “داعش”، وكذلك التكتيكات الروسية القائمة أساساً على القوات البرية المدارة من الحرس الثوري، قد أسقطت من لعبتهما الأوسع نطاقاً رغبة إسرائيل، إن لم نقل إلحاحها، المتعلق باحتمالات فتح جبهة ساخنة على الجبهة النائمة طويلاً في الجولان، مستقبلاً، وهو ما تجلى في هذه الإنذارات غير المسبوقة، التالية مباشرة بعد البيان الأميركي الروسي أخيراً، وما تبعه من تفسيرات روسية تشرعن الوجود العسكري الإيراني في مختلف أنحاء الجغرافيا السورية.
في الصورة الأشمل، كان الوجود الإيراني في سورية محط اهتمامٍ إسرائيليٍّ مركز منذ انفجار الثورة قبل نحو سبع سنوات، إلا أن تل أبيب ظلت تعلن أنها لن تتدخل في الأزمة، مراهنة على أن طول أمد الحرب سوف يضعف كل أعدائها من دون استثناء. وعندما بدأت تلوح في الأفق نذر تسويةٍ ما، بعد التطورات الدراماتيكية أخيراً، أخذت تسعى إلى حجز مقعد لها على مائدة التسويات المبهمة بعد، وراحت تعمل على تأكيد حضورها طرفاً إقليمياً في مثل هذه التسوية المفترضة، من خلال إطلاقها مزيداً من التهديدات الحربية، إذا لم تراعِ الترتيبات الخاصة بمناطق خفض التوتر مصالح الدولة العبرية، وهو ما لم تستجب له هذه الترتيبات غير النهائية، تماماً على نحو ما بدا عليه الحال في البيان الأميركي الروسي أخيراً.
في دراسةٍ أصدرها أخيراً معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، ذكر خبراء إسرائيليون أن سورية التي عرفناها قد تغيرت بالكامل، وأن الحرب التي لا تظهر نهاية لها في الأفق تسببت في تفكيك المنظومة السياسية والعسكرية السورية، على نحو ما تظهره مناطق وجيوب تسيطر عليها قوى مختلفة، الأمر الذي سيسفر عن تجميدٍ لتوازن القوى الداخلي القائم. وبالتالي، سيتواصل الصراع عدة سنوات، تنشأ خلالها بنية معقدة، يندمج فيها حكم مركزي ضعيف مع مراكز قوى محلية قوية، إلى جانب استمرار التدخلات الإقليمية والدولية بشكل أكبر من ذي قبل.
من بين خمسة عوامل تحكم السياسة الإسرائيلية في سورية، هناك العامل الثالث المتمثل بحجم الوجود الإيراني وزخمه، وبضمنه مستوى التعاون بين روسيا والجمهورية الإسلامية، الأمر الذي يبين مدى مركزية هذا الوجود في أجندة الاهتمامات الدولية التي تود أن ينسى العالم أنها لا تزال تحتل نحو خمس الأراضي السورية، كما يبين أيضاً أن إسرائيل ظلت في حالة تأهب لمراقبة الأوضاع المتغيرة، لملاءمة خططها مع مثل هذه المتغيرات الجارية بالقرب من الجبهة الأكثر استقراراً، حتى من الجبهات التي شهدت اتفاقيات سلام، وهو ما يبدو أنه موضع مراجعة حثيثة في هذه الآونة التي تجري فيها التفاهمات بين اللاعبين الكبيرين (روسيا وأميركا) بمعزل عن جدول الاهتمامات الإسرائيلية.
ولعل الاعتبارات الأكثر حيوية لإسرائيل تتمثل في ثلاث نقاط؛ الحفاظ في المقام الأول على حرية العمل في الأجواء السورية واللبنانية، وفي المقام الثاني استمرار التنسيق الاستراتيجي مع الولايات المتحدة أولاً ومع روسيا ثانياً، لأخذ المصالح الإسرائيلية في الحسبان عند بدء
المفاوضات بشأن مستقبل سورية، أما الثالث فهو إنشاء حيز جغرافي في جنوب غرب سورية، من أجل ضمان بيئة مستقرة، خالية من “داعش” ومن قوات إيرانية ومن حزب الله أيضاً، ولم تسقط من حساباتها إقامة منطقة حظر جوي في مناطق محدّدة، وتوفير غطاء جوي لجهاتٍ تبدي استعدادها للتعاون مع إسرائيل، اعتماداً على قدراتها العسكرية المتفوقة في الجو وعلى الأرض كذلك.
إزاء هذه الرؤية النابعة من اعتباراتٍ محض ذاتية، تبدو التهديدات الإسرائيلية أخيراً، ومنها قول وزير الحرب، أفيغدور ليبرمان؛ إن حكومته لن تسمح لسورية أن تصبح خط مواجهة مع إسرائيل، ولن تقبل بترسيخ وجود إيراني بالقرب من خط وقف إطلاق النار في الهضبة المحتلة، تبدو أقوالاً منسجمة مع هذه الرؤية المتطلعة إلى انتزاع اعتراف دولي بحق إسرائيل المزعوم في مواصلة استباحة الأجواء السورية، ليس فقط من أجل منع وصول أسلحة إلى حزب الله كاسرة للتوازن، بما في ذلك الصواريخ دقيقة الإصابة، وإنما أيضاً لمنع إيران من إقامة قواعد بحرية وبرية مستدامة في المناطق السورية القريبة، تماماً على نحو ما كشفت عنه، أخيراً، مصالح الاستخبارات الغربية، وأكدته صور الأقمار الصناعية، عن وجود قاعدة إيرانية في طور البناء جنوب العاصمة دمشق.
على هذه الخلفية، يمكن القول إن إسرائيل هي الآن في طور الخروج من حذرها المستمر قرابة سبع سنوات، وإنها اليوم بصدد تبديل مقاربتها الأزمة السورية المديدة، لصالح مزيد من التدخل المباشر في تطورات المشهد المتغير، وهو أمر سيتضح، من دون ريب، إذا بادر سلاح الجو الإسرائيلي إلى استهداف الوجود الإيراني على وجه التحديد، بعد أن امتنعت الطائرات الحربية المغيرة عن المس بهذا الوجود المتزايد طوال الوقت، واقتصرت غاراتها على حزب الله والقوات السورية النظامية.
(*) كاتب أردني

مقالات ذات صلة

إغلاق