تحقيقات وتقارير سياسية

من الصف إلى المقبرة: جنود أطفال في الحرب الأهلية في سورية

إنَّ التجنيد الإلزامي للأطفال، وتوظيفه، ذو تاريخٍ طويل ومشين في سجلات الصراع، وقد جرتْ محاولاتٍ عديدة، لإضفاء الصفة الرسمية على القانون المتعلق باستخدام الأطفال في الصراع، ولكنْ بنجاحٍ محدود. تنص اتفاقية جنيف الرابعة على أنَّ تجنيد الأطفال الإلزامي، أو تطويعهم في قواتٍ أو جماعاتٍ مسلحة، يعدّ جريمةَ حربٍ في أيّ صراعٍ مسلح. وقد انعكس هذا الرأي، في البروتوكول غير الإلزامي المتعلق بحقوق الطفل، الذي رفع الحد الأدنى لسن التجنيد من 15 إلى 18 عامًا، وحظر المشاركة المباشرة للأطفال في حالات الصراع. ومع ذلك، وعلى الرغم من العمل الدولي المكثف لمعالجة هذه القضية، فإن التقدم ما يزال بطيئًا. وجاء في قرار مجلس الأمن رقم 1612، الذي قدّم أداةً للرصد والإبلاغ والامتثال لمقاربة هذه القضية، أنّ هناك ثغرات كثيرة في حماية الأطفال من التجنيد، بالرغم من التقدم القانوني، وخصوصًا أنَّ الانتهاكات الأكثر خطورةً تُرتكَب على نحو متزايد، من قبل الجماعات المسلحة غير الحكومية، أو التي لا تتبع لدولة.

لم يحدث، في التاريخ الحديث، أن كانت ثغرات الحماية هذه أكثرَ وضوحًا مما هي عليه اليوم في سورية. فقد تمّ قسر الجنود الأطفال، وتجنيدهم، واستخدامهم في جميع مناحي الصراع. وفي حين أنَّ الكثير من الاهتمام، والإدانة الدولية قد وُجهتا إلى (أشبال داعش)، إلا أنَّ القليل جدًا تفهَّم السبل التي يُجنَّد بها فاعلون مسلحون آخرون، وبالتحديد “وحدات حماية الشعب” الكردية (YPG)، وجماعات الميليشيات الشيعية الموالية للنظام، التي تُجند الأطفال، وتنشرهم على الخطوط الأمامية للصراع.

على الرغم من التعهدات التي قُدِّمت لـ “هيومن رايتس ووتش” (HRW)، وتوقيع “وثيقة التزام” مع نداء جنيف للمنظمات غير الحكومية، بالتعهد بتسريح جميع المقاتلين دون 18 عامًا، في غضون شهرٍ واحد، تواصل (هيومن رايتس ووتش)، والشبكة السورية لحقوق الإنسان (SN4HR) توثيق نشرهم داخل صفوف “وحدات حماية الشعب” (YPG)، و”حزب العمال الكردستاني” (PKK)، والجماعات المسلحة الكردية الأخرى. ووفقًا لبيانات (هيومن رايتس ووتش)، قامت “وحدات حماية الشعب” بتجنيد 59 طفلًا يقاتلون، ويموتون مع المنظمات في عام 2015. ووفقًا للشبكة السورية لحقوق الإنسان (SN4HR)، قفز هذا الرقم إلى 1926، في عام 2016، على الرغم من التأكيدات الكردية، حيث تتصدر “وحدات حماية الشعب” الكردية جميع الأحزاب الأخرى في سورية، من حيث تجنيد الأطفال. وتشير التقارير أيضًا إلى أنَّ القوات الكردية تُجبر العائلات أيضًا، من أجل السماح لأطفالهم بالقتال مع أحد الجهات؛ ما يشير إلى “أنّها يمكن أنْ تجعل الحياة صعبةً للغاية، بالنسبة إلى الأشخاص الذين ينتقدونهم”. وكما صرح فريد أبراهامز، وهو مديرٌ مشارك في (هيومن رايتس ووتش): “وعدت (وحدات حماية الشعب) الكردية بوقف إرسال الأطفال إلى الحرب”، وينبغي أن تنفذ وعدها”. والآن بعد أن انتهت المعركة ضد (داعش)، يجب على الولايات المتحدة، والأطراف الأخرى أن تقدّم دعمًا متواصلًا مشروطًا بتسريح هؤلاء المقاتلين الأطفال.

ومع ذلك، ربما الأكثر إثارةً للقلق هو تدويل ظاهرة تجنيد الأطفال، من قِبل الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، التي تقاتل دفاعًا عن النظام السوري. ووفقًا لمنظمة (هيومن رايتس ووتش)، يتم تجنيد الأطفال المهاجرين الأفغان الذين لا تتجاوز أعمارهم 14 عامًا للقتال، والموت في سورية، إلى جانب الجماعة الجهادية الشيعية: لواء “الفاطميون”، وهي جماعةٌ مسلحة أفغانية حصرًا تدعمها إيران. ويقال إنَّ المجموعة، التي يبلغ قوامها نحو 14000 شخص، والمقرَّبة من قوات الحرس الثوري الإيراني، تُجبر الأُسَر على إرسال أطفالها من خلال تطبيعٍ أيديولوجي، ووعدٍ بإقامةٍ دائمة للأسر اللاجئة الأفغانية التي تُرسل أطفالها للقتال في سورية. وتشير تقارير (هيومن رايتس ووتش)، ووسائل الإعلام الإيرانية إلى أنَّ ما لا يقل عن 15 “مدافعًا عن ضريح (زينب)”، قد لقوا حتفهم في سورية. ويشير التحليل الذي أجرته منظمة (هيومان رايتس ووتش) لشواهد القبور، إلى أعمارهم، وتشكيلهم العسكري، وزمان ومكان الوفاة. ووفقًا لسارة ليا ويتسن، مديرة الشرق الأوسط في (هيومن رايتس ووتش)، “يجب على إيران تحسين حماية الأطفال اللاجئين الأفغان، وليس تركهم عرضةً لعملاء تجنيدٍ عديمي الضمير”. وعلى الرغم من نفي إيران رسميًا لاستخدامها الجنود الأطفال، لكنَّ من الواضح أنَّ الميليشيات التي تدعمها، ماليًا ولوجستيًا، تقوم باستخدام أعدادٍ كبيرة من الأطفال على الخطوط الأمامية/ الجبهات.

يبدو من الواضح بعدئذٍ أن ليس تنظيم (داعش) وحده منْ يجنّد الأطفال، وينشرونهم في ساحة المعركة السورية. وتشير التقارير إلى أنَّ الغالبية العظمى من الجماعات المسلحة، من (داعش) إلى المعارضة المعتدلة وقوات النظام، تتحمّل مسؤولية هذا الهجوم الخطير على أجيالٍ مقبلة من السوريين. المستقبل وحده هو الذي سيحدد ما سيكون دور الأثر النفسي طويل الأجل على هؤلاء الأطفال، وأثرهم على آفاق سلامٍ مستدامٍ، ودائم في المنطقة. من الضروري أنْ تمتنع جميع الأطراف عن مواصلة تجنيد الأطفال في القوات المسلحة، وتسريح أولئك الذين يخدمون الآن في الخطوط الأمامية/ الجبهات، وفي أدوار دعمٍ إضافية. وينبغي أنْ تُنفذَ جميع برامج التسريح هذه بشكلٍ مشروط، من قبل جميع الأطراف الدولية التي تدعم مختلف الجماعات المشاركة في القتال في سورية. وينبغي على هذه الجهات الدولية نفسها أيضًا أنْ تضمن توفير التمويل الكافي، والأمور اللوجستية اللازمة لإعادة التأهيل الفعّال للجنود الأطفال، وإصلاح الضرر النفسي الذي لحق بهم، بالتأكيد نتيجة لتجاربهم. وغير ذلك، فإنَّ جيلًا من الأطفال الجنود المصابين بالرض النفسي، سيكبر ليشوه آفاق مستقبل سلامٍ في سورية، وفي المنطقة بأسرها.

 

العنوان الأصلي From the Classroom to the Graveyard: Child Soldiers in Syria’s Civil War
الكاتب ألكسندر أستون-وارد Alexander Aston–Ward
المصدر مركز حرمون للدراسات المعاصرة، برنامج الباحثين الزائرين الدوليين
المترجم وحدة الترجمة والتعريب

 

مقالات ذات صلة

إغلاق