مقالات الرأي

أفكار حول المستقبل العلمي لسورية الجديدة

 

لم أكتب في موضوع علمي، منذ انطلاق الثورة السورية العظيمة، التي استحوذَت على كل طاقاتي ووقتي، إذ أوقفتُ مشاريعي العلمية، ولست نادمًا على ما فعلت، ولكني أتوق إلى العودة لممارسة الكتابة والبحث العلمي، فهي من أولوياتي المفضلة.

ما أكثر الحديث حول الجانب السياسي في الثورة السورية، والمرحلة الانتقالية، وهما أهم المهمات المطروحة أمام الشعب السوري ونخبته المثقفة! ويندر الحديث عن جوانب أخرى قد يراها البعض بعيدة وثانوية في هذه الأيام، ومنها المستقبل العلمي في سورية ما بعد الأسد. ولكنني أسمح لنفسي بالتفكير بصوت عالٍ في هذا المجال، بالرغم من أنه ليس قريبًا.

من المعروف أن حقبة حكم البعث وعائلة الأسد، خلال نصف قرن، شوّهت التعليم، ومسخت العقول، وألغت العلم، وحولت العاملين في حقول التعليم الجامعي إلى موظفين، يتسابقون إلى كسب المال والوجاهة، واختفت تقريبًا تلك التقاليد العلمية الأخلاقية في الجامعات السورية، حيث كان للجامعة حرمتها، وللأستاذ الجامعي هيبته وتقديره، لأنه أصبح أستاذًا بفضل علمه ومقدراته، وليس بالواسطة والتقرب من المخابرات، كما جرت عليه العادة في العقود الخمسة الأخيرة.

من سياسات البعث أنه حوّل كل شيء إلى أيديولوجيا، على شاكلة الأنظمة الشمولية في الدول الاشتراكية، وبدلًا من التقييم العلمي للأستاذ، هيمنت التقييمات الأمنية والمحسوبيات وغيرها على الساحة التعليمية.

كما أن السياسة التربوية -وهي من أخطر الأسس التي تقوم عليها أي نهضة علمية واجتماعية واقتصادية وثقافية- كانت تقوم على تكريس الولاء للقائد الأوحد، وللون الواحد في الفكر؛ فأصبحت عقول الأطفال مسطحة وخالية من أي إمكانية للإبداع والابتكار الحر، وكذلك الحال بالنسبة إلى المدرسين، بكافة مستوياتهم من المراحل الابتدائية وحتى الجامعية، انكمشت العقول وانغلقت، وأصبحت تدور في فلك النظرية القائمة على تقديس الحاكم والتصفيق له. وانتشرت قيم الولاء والتبعية والانبطاح وانعدام الأخلاق وعدم تشغيل العقل، وإلا؛ فسيدفع صاحب الرأي المخالف ثمنًا غاليًا لمواقفه الصادقة الشريفة، وأقلّها سوءًا تهميش الشخص ومحاربته وإهانته وتقزيمه، حتى يعرف مع مَن يتعامل! وأبسط مثالٍ -ويعرفه الجميع من تجاربهم الشخصية- هو تجنيد حتى طلاب المدارس، لكتابة التقارير للمخابرات بحق زملائهم، فينشأ هؤلاء الصغار على هذه الأخلاق وهذه العقلية. وعلى مدى خمسين عامًا، وصل إلى سدة الحكم مسؤولون، يمكن وصفهم بأنهم تميزوا عن غيرهم، بأنهم كانوا مخبرين جيدين، وأن أكبر مسؤول ما هو إلا عميل أو تابع لأحد ضباط الأمن.

هذه المقدمة تؤكد على أن دولة البعث ليس فيها مكان لا للعلم ولا للبحث العلمي، ولا للمشاريع العلمية الحقيقية التي ترفع من شأن البلاد. وأشعر اليوم بضرورة الحديث عن أشياء مهمة بنّاءة متعلقة بمستقبل سورية، وأقصد مستقبل العلم والتعليم في سورية، في مرحلة ما بعد الأسد. والسؤال المطروح هو: كيف نبني مجتمعًا متقدمًا عصريًا؟ وهذا يقودنا إلى سؤال آخر هو: ما هي مقومات المجتمع المتقدم؟

يقول أحد الفلاسفة إن مقياس تقدم أي مجتمع هو بمقدار اهتمامه بالفلسفة، وأقول إن مقياس التقدم في المجتمعات هو مدى اهتمامها بالعلوم، وعلى رأسها الرياضيات: ملكة العلوم. وليس ذلك فقط، وإنما بمدى إنتاج هذه الدول للعلوم والتكنولوجيا.

ولكن هل الاهتمام بالعلوم وحده يؤدي أو يفسح المجال للتقدم العلمي والمجتمعي؟ التجارب أثبتت أن هناك مجتمعات تطور فيها العلم والتعليم، كالاتحاد السوفييتي الذي حقق نجاحات علمية وصناعية، ومنها غزو الفضاء وامتلاك الأسلحة النووية، ولكن هذا النظام الذي كان يعج بالعلماء والأبحاث العلمية المتقدمة انهار. ما السبب؟ لماذا انهار الاتحاد السوفييتي بالرغم من أن خبراء العالم اعترفوا بأفضلية استراتيجية التعليم السوفييتية، والتي كانت تقوم على بناء الإنسان من مرحلة رياض الأطفال؟ الجواب باختصار شديد، هو في طبيعة النظام السياسي وانعدام الديمقراطية والحريات الفردية والسياسية والمدنية.

وبالتالي، قبل أن نفكر بالعلم والتكنولوجيا -وهما عماد أي مجتمع متقدم في العصر الحديث- يجب أن نفكر ببناء الإنسان السوري، وذلك يبدأ بالتعليم والتربية. ولهذا الغرض يجب وضع سياسة تربوية تعليمية تقوم على أسس عدة:

– احترام حقوق الفرد وحرية تفكيره.

– زرع الثقة بالنفس لدى الناشئة، من خلال إبراز كل ما هو إيجابي وإنساني وحضاري، في تاريخ وطننا.

– توطيد فكرة الانتماء الوطني السوري ذي التاريخ الحضاري المشرق، والتركيز على أن سورية مهد الحضارات والثقافات والأديان السماوية، وأننا نعتز بالثقافة العربية الإسلامية.

– تكريس قيم احترام الرأي الآخر وفكرة التسامح والتعايش والعمل الجماعي.

– توفير الشروط المناسبة للإبداع والابتكار، واحترام جهد الإنسان وسعيه نحو المعرفة.

لا يمكن أن تتوفر شروط التعليم والتربية الصحيحة لأبناء الوطن، في جوٍّ يسود فيه الخوف والقلق من السلطة السياسية وتوابعها؛ لذلك لا بد من وجود نظام ديمقراطي حقيقي تصان فيه حرية المواطن وكرامته، ويطبق فيه القانون على كل الناس بالتساوي. فالوطن المتطور العصري الحر، لا يمكن أن يبنيه أناس مكبلون خائفون.

ولكي تكون هناك نهضة حقيقية، لا بد من إطلاق الحريات السياسية وإشاعة الديمقراطية وتوفير مقومات الدراسة والبحث العلمي الحقيقي، ويجب البحث عن الشباب الموهوبين الذين لديهم قدرات حقيقية، والاهتمام بهم وتدريسهم في جامعات ومعاهد علمية، تؤسس بطريقة عصرية تتناسب مع متطلبات أرقى الجامعات في العالم، وتوفر لهم الظروف اللائقة، وأن يحضر أفضل الأساتذة في العالم لهذا الغرض، كما يجب أن تعاد الهيبة والسمعة الطيبة للأساتذة في كل المراحل، وتلغى الدروس الخصوصية، وتوفر حياة لائقة للمعلمين، لكي يقوموا بمهماتهم وهم مرتاحون.

وبلا شك، يجب أن يقترن ذلك بوضع مناهج تعليمية حديثة وسلسة وجذابة، وأن تغير طرق التدريس القائمة على التلقين، والانتقال إلى التعليم الذي يشترك فيه الطلبة في التدريس، إضافة إلى استخدام الوسائل التعليمية الحديثة، من تكنولوجيا المعلومات والإنترنت.

إذًا، لو توفرت الإرادة السياسية القوية؛ لاستطاعت سورية تحقيق نهضة علمية وتكنولوجية ومجتمعية. وتجربة دول مثل اليابان وماليزيا والصين تدل بوضوح على أنه خلال عدة عشرات من السنين، يمكن تحقيق اختراقات كبرى في مسيرة التطور. وبالنسبة إلى بلد مثل سورية، يخرج من سبات عميق وخراب وتدمير، لا بد من إحداث قفزة في التطور أو ما يمكن تسميته ثورة تربوية وعلمية، وإلا؛ فستطول مسيرتنا التنموية، وبالتالي قد لا تؤتي ثمارها نتيجة عوامل وموروثات قديمة.

وهناك جانب مهم، وهو كيف نربط بين التطور العلمي وبين خصوصياتنا الثقافية والاجتماعية والدينية؟ برأيي يجب إعطاء الحرية للبحث العلمي وللإبداع الفكري عمومًا وحرية الاعتقاد والتفكير، وتشجيع التنوع الثقافي كعامل يقوي المجتمع ويزيد تلاحمه، بدلًا من تفرقته وتقسيمه، كما حدث أيام حكم عائلة الأسد.

لقد حققت دولة إسلامية مثل ماليزيا نهضتها العلمية والتكنولوجية الرائدة، وهي متمسكة بتقاليدها وثقافتها الإسلامية والقومية. كما أن اليابان حقق تقدمًا علميًا وتكنولوجيًا هائلًا، وفي الوقت نفسه يُعْرَف عن اليابانيين أنهم من أكثر الشعوب تمسكًا بعاداتهم وتقاليدهم المحلية.

يرى العالم المصري-الأميركي الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء الدكتور أحمد زويل أن العرب والمسلمين غالبًا ما يتمسكون بقشور الإسلام، بدلًا من الجوهر؛ فوضعوا الدين مقابل التقدم العلمي والحضاري.

كذلك هناك من يتبجح بالماضي المشرق لسورية منذ آلاف السنين، منذ انتشار المسيحية، وفي الحقبة العربية الإسلامية بإنجازاتها العظيمة، وما قدمته للبشرية الذي شكل أساسًا للنهضة الأوروبية الحديثة، ولكن الأفضل أن نأخذ العبر، وأهمها أن هذا التاريخ العريق لبلادنا وشعوبنا يؤكد أننا لسنا عاجزين عن إحراز التقدم وبناء حضارة جديدة، وفي الوقت نفسه، يؤكد أن التاريخ دولاب؛ فإمبراطوريات الأمس المتقدمة باتت اليوم دولًا متخلفة والعكس صحيح، فأوروبا التي كانت أمية ومتخلفة في القرون الوسطى هي اليوم مركز التقدم العلمي والتكنولوجي والحضاري.

والسؤال الآخر المهم: هل لدينا مقومات النهضة العلمية؟

هناك من يقول إن بلدنا فقير بالموارد، ولا طائل من الخطط والاستراتيجيات التنموية. وفي بلدان عربية أخرى يعتقد البعض أنهم قادرون على شراء أحدث المكتشفات التكنولوجية، ولا داعي لإضاعة الوقت في البحث العلمي.

وإذا تحدثنا عن سورية؛ وجدنا أنها ليست فقيرة، فهي تملك النفط والغاز والثروات المعدنية والأراضي الخصبة والمناخ المعتدل والطبيعة الساحرة والآثار التاريخية، والأهم من كل ذلك تمتلك سورية القدرات البشرية الخلاقة؛ فبلادنا التي قدّمت أول أبجدية للعالم، وعلّمت العالم الموسيقى، وأصبح العديد من أبنائها أباطرة روما، واشتهر شعبها بالزراعة والري منذ آلاف السنين، ومنها انتشرت المسيحية إلى العالم، وفيها ظهرت المدارس العلمية منذ القدم، قادرةٌ اليوم على النهوض وريادة شعوب المنطقة.

لن تقوم نهضة أو حضارة أو تقدم علمي إلا على قاعدة من الثقة بالنفس وبالتاريخ المضيء، والتحلي بالإرادة السياسية وبالشعور الوطني والتعايش السلمي بين جميع مكونات الشعب السوري، ولن تقوم النهضة إلا بيد شعب حر، يشعر بكرامته وحريته، ويتمتع بالعدالة الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

إغلاق