هموم ثقافية

سجنٌ كبير

 

هل يستوي معنى الوطن لدى حفنة طغاة يمتصّوُن دمه كالعلق، وسجناء مُغيَّبين في أقبيته، ومُفقَرين مُعطَّلين فوق أرضه، وسماسرة جغرافيَّته وثرواته، ومَنفيّين مشرَّدين عنه، ومُهمَّشين ملعونين تحت سمائه.. وغيرهم؟

هو شأنهم، أولئك الذين أعطوا للوطن معنى واحدًا، سرمديًا، لا يتغيَّر ولا يتبدَّل.. شأن أحلامهم وتهويماتهم وجنوح خيالاتهم. أما الوطن نفسه -ومعناه تاليًا- فمن شأنه وتكوينه أن يتغيَّر ويتبدَّل من حال إلى حال، ومن مرحلة إلى أخرى؛ لأنه كائن حيّ يتأثّر بأبنائه ويؤثّر فيهم، يخرج من أطوار ويدخلهم في أطوار أخرى، يتحول ويصير ويؤول من أسمى معنى إلى أتعس معنى، وبالعكس.

كيف لمعنى الوطن أن يكون نفسه عند حفنة من مغتصبي السلطة فيه، ومانحي أنفسهم بأنفسِهم صكوك ملكيته، وحقّ سنّ دساتيره وقوانينه وأنظمته، وفقًا لما يؤبّد سلطتهم ويكدّس نهبهم، ويديم آليات امتصاصهم؛ وبين الملايين من أبنائه الذين يُنظر إليهم ويتم التعامل معهم كالعبيد أو الأسرى أو الرعايا أو الممتلكات الشخصيَّة، فيُضطرون في معظم الأحيان إلى البحث خارج الوطن عن كفاية عيشهم، وفضاء حريّتهم، وحفظ كرامتهم، ومظلّة العدل في حيواتهم؛ بعد أن عُومِلوا -داخل وطنهم- كقطعان محكومة بالموت أو السجن أو النفي أو التجويع؛ حتى إذا ما هبّوا لاسترداد ما سُلب منهم؛ عاثت سلطة الطغيان بوجودهم ومعاشهم ومسكنهم وحريتهم وكرامتهم، بأعتى وأشنع وأحطّ أساليب التعسّف والقتل؟

نعم، يكون الوطن إكسيرًا مرة، ولكن قد يُصَيَّر سمًّا زعافًا مرة أخرى، أو فائضًا عن الحاجة مرَّة، أو فخًّا ومصيدة مرَّة، أو بقرة حلوبًا مرَّة، أو سجنًا مرَّة، ولعنة مرَّة، إلى ما هنالك من أحوال ومعانٍ، تتغيّر وفق مزاج السلطة ومصالحها. ونعم، سيتخذ الناس منه مواقف مختلفة، ويتعاملون معه بطرائق مختلفة، تصل إلى حدّ التناقض الصارخ، وهذا لا يثير الدهشة والاستغراب سوى لدى من رفعوه إلى الأعالي، فوق وجود البشر وحاجتهم وكرامتهم وحرياتهم والعدالة في حياتهم!

هل من شكّ في البداهة البسيطة في أن وطن الإنسان، حيث كرامته وحريّته وكفايته؟ وإلا؛ لماذا لا يحنُّ سجين إلى سجنه، على الرغم من قضائه فيه -أحيانًا- نصف عمره؟ لماذا لا يعتاد عليه، ويتآلف معه، فنراه حين يُطلق سراحه يطير قلبه ويغرّد فرحًا، كما لو أُعيدت إليه حياةٌ سُلبت منه، أو كما لو أنه وُلِد من جديد؟

من هنا؛ فلا غرابة أن ينفضَّ الناسُ عن وطنهم، حين يكفّ عن أن يكون مصدر عيش كريم لهم. ولا غرابة في نفورهم منه حين يتمّ تحويله على يد السلطة الطاغية إلى سجن كبير. لا غرابة إذا ما غدوا فيه وقودًا لمستبدّين، في ظلّ معادلة جهنَّمية: لا السلطة الحاكمة تكفُّ -من تلقائها- عن سياسة تحويل الوطن إلى خراب وأهله إلى سبايا، ولا الناس بقادرين على الإطاحة بالطغيان، حتى بعد أن يهبّوا في وجهه ويثوروا عليه!

قد يكون مفزعًا، لأصحاب الصورة الرومانسيّة الورديّة عن الوطن، أن تكون الحال كذلك، بيد أن الأمر حدث في تاريخ الإنسان منذ نشأته، ويحدث في حياة الناس باستمرار، حين يتمّ جزُّ أواصر علاقتهم به، أو بتر انتمائهم إليه، أو سحل وجودهم فيه، أو قطع رزقهم منه، أو إقصاء أبنائه عنه.

حدث ويحدث، لأن الوطن ليس الأشجار والأنهار والجبال والسهول والمنازل والآثار، بل هو الكرامة والحرية والعيش الرغيد، وقبل كل شيء: الحقّ المطلق للناس -كلّ الناس- بإدارته وسنّ قوانينه وأنظمته، والإفادة من ثرواته وطرائق تحصينه وأساليب تطويره. حقّ الناس في الانتماء إليه والاحتماء فيه والاستقواء به والاعتزاز بوجوده، فإذا ما أُلغي هذا الحق بالقوة والعنف والتسلط والإرهاب؛ انتفى وزال -بالضرورة- أي انتماء إليه أو دفاع عنه أو حبّ للعيش فيه، وهذي كبرى جرائم الاستبداد في أيّ بلد.

مقالات ذات صلة

إغلاق