هموم ثقافية

علم جمال التلقي/ الفن كمتتالية

 

  • “لو كانت جارتنا تنشر غسيلًا مزخرفًا؛ لصرت رسامًا”.

يخلق الفن متتالية لا تنتهي، كأن تصنع فيلمًا يورث المتلقي المبدع الموسيقى، ومبدعًا آخر الرسم، والخيال، وربما يصنع جمهورًا ليس مستمتعًا، يمارس اشتهاء الجمال وحسب، بل يصاب بعدوى فنية أخرى، في مجالات إبداعية متعددة.

ليس هذا ميزة الفيلم الجمالية فقط، بل ميزة كل الفنون الإبداعية، بتنوعاتها المختلفة، أي الفن، عندما يصبح كرة ثلج في وجدان ومشاعر المتلقي.

القيمة التربوية للفن ليست فقط تهذيب المشاعر والسلوك، كوظيفة تربوية، الفن كمحرض لفنون خلّاقة أخرى، لدى المتلقي الذي يلزمه تجارب حسية ومشاعرية، على شكل فن آخر.

مقولة “إن الفن للحياة” مقولة فضفاضة، يتم صياغتها عادة بأيديولوجية سمجة قاتلة، ما السحر سوى المشاعر التي تنبثق، من مخيلة مبدع إلى مبدع آخر، وإلى متلقٍ، تعوّد استقبال الفعل الجمالي بشفافية ذات تكوين ميتافيزيقي ساحر، وكأنه الغيب.

قيمة الفن وسحره، هي شكلانية الفن ذاته، وليس المواضيع التي يقولها، لم يتم تحرر الفن من الخطاب والمباشرية، إلا بفعل شكلانيته، وإتقانها، وسحرها، وتكوّن هذا الشكل بطريقة، لم تتكون من قبل.

ربما يبدو هذا الكلام نظريًا للوهلة الأولى، لكن وجود الفن الحقيقي، على أرض الواقع، لن ندركه سوى شكلًا متكونًا في محيط المعرفة الحسية للإنسان.

عندما يذهب الطفل إلى المدرسة، ما الذي يصادفه في الطريق؟ حدائق، أبنية، سيارات، مارة بألبستهم المختلفة.. يسير الطفل، وهو ينظر هنا وهناك، رائحة الأشياء.. ملمسها، كل ذلك أشكال جمالية على نحوٍ ما. هب أن كل شيء عشوائي غير جميل وغير منسّق، لا يملك إيقاعًا ولا تناغمًا، ألا ينعكس ذلك على روح هذا الطفل، ويتحول إلى تشويش جمالي، يحوله إلى كائن غير متأمل، شرس المزاج، ويبعده عن الفعل الجمالي مستقبلًا، من دون أن يدري؟

يحكى أن أحد الأغنياء قد بنى سورًا حول قصره، وكانت واجهة السور على الطريق مكوّنة من قضبان حديدية. يمر من هذا الطريق، كلّ يوم، عشرات الأطفال ذهابًا وإيابًا، وكلما مروا في الطريق؛ مرروا مساطرهم المدرسية على القضبان الحديدية، فيحدثون أصواتًا يزعجون بها صاحب القصر. كل محاولات الرجل وحرّاس حديقته لم تجدِ نفعًا بمنع الأولاد عن هذا اللعب المسلي لهم، والمزعج لصاحب القصر.

ذات يوم، كان في ضيافة الرجل موسيقي، فشكى له الأمر، وأبدى فشله في حل هذه المعضلة مع لعب الأولاد وإزعاجهم له. أوجد الموسيقي حل المعضلة ببساطة وفنية مدهشة، واقترح أن تزال بعض القضبان عن السور عشوائيًا، دونما انتظام. وعندما جاء الأولاد في اليوم التالي ومارسوا لعبتهم المعتادة، لم يستمتعوا ولم يجدوا التناغم المعتاد، اختلفت المسافات؛ فخلقت نشازًا، حيث غاب التناغم الجمالي، وسقط الإيقاع الفني للصوت الذي كانوا يحدثونه؛ فكفّ الطلاب عن لعبتهم، وانتهت المشكلة.

ذلك هو العكوف عن التلقي، لأن الأولاد كانوا يفعلون الفعل، ويتلقونه في الوقت ذاته.

“الفن للفن” ليست مقولة رجعية، كما كان يروّج لها، بل خلق المتتالية الفنية، كي يتكاثر الفعل الجمالي للكون، ويصبح هذا الكون ممكنًا للحياة. والشكل الفني هو ما ينتج المضمون الذي يسمى جزافًا المحتوى.

المضمون هو: تموضع المحتوى شكلًا، هذا الفعل التموضعي هو الذي يجعل العلاقة بين الإزميل والحجر الفج، علاقة سحرية تؤول بالحجر إلى منحوتة جمالية، تثير خيالًا لشيء يصعب إدراكه.

تكمن قيمة الفن في كيمياء التلقي؛ يثير المشاعر ويجعلها في عالم غريب إيجابي، منتج لفن آخر، وهكذا تتوارث الفنون بعضها البعض، بأشكال متعددة، ووظائف مختلفة، وأحاسيس تتربى، وكأنها وجود آخر، خلقٌ إلهي، لم يسبقه أحد.

هذا التلقي هو صانع الحياة التي نريدها من وظيفة الفن القصوى. هنا، وهنا فقط، يصبح الفن للحياة؛ وتصبح جارتنا -من دون أن تعلم- معلمًا وملهمًا للطفل الذي قد يصبح رسامًا، بفضل غسيلها المزخرف ذي الألوان الزاهية عابرة لروح الطفل، من نظرات العابرة، من دون أن يعلم أيضًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق