قضايا المجتمع

سرطان النفط “القاتل البطيء” لأهالي الحسكة

لجأ كثيرٌ من مدنيي محافظة الحسكة، منذ عام 2013، إلى العمل في قطاع النفط وعمليات تكريره البدائية، في ما بات يُعرف بـ (الحرّاقات)؛ وذلك بسبب انعدام فرص العمل وضعف الإنتاج الزراعي، نتيجة انقطاع الكهرباء وقلّة المحروقات، فضلًا عن وفرة النفط والأرباح الهائلة التي يدرّها على مَن يعمل به.

تُشكّل عمليات التكرير، عبر “الحرّاقات”، خطرًا على السكان، وسجّلت المدينة ارتفاعًا كبيرًا في حالات الوفاة بين السكان، بمرض السرطان، كما تم تسجيل مئات حالات الإصابة بأمراض الربو والسلّ والجرب، ويحمل الدخان المنبعث من “الحرّاقات” عددًا من السموم، كما أكد مهندس النفط  ياسر العبد الله، حيث أوضح لـ (جيرون): “أن الدخان المُنبعث من الحرّاقات يحوي على عدد من الغازات السامة، مثل كبريت الهيدروجين المعروف برائحته الكريهة، وغاز أول أوكسيد الكربون، وثاني أوكسيد الكربون، والبوتاسيوم المُشعّ (K40)، وعدد من المعادن الضارة مثل الفانديوم والنيكل”.

على الرغم من أن الآثار الصحية السلبية المتوقعة لعمليات تكرير النفط قد تأخذ وقتًا طويلًا -قد يطول حتى 20 عامًا- حتى تظهر، ولكنها بدأت تظهر بشكل واسع في الحسكة، وخاصة في ما يتعلق بانتشار الأمراض السرطانية، في هذا الجانب، أكد حارث بليبل طالب دكتوراه في الهندسة الغذائية في جامعة غازي عنتاب التركية، وهو من أهالي الحسكة، أن “المخاطر تبدأ من لحظة استخراج النفط وتعبئته في المضخّات ونقله إلى الحرّاقات البدائية، وهي سلسلة متكاملة لا تنتهي بعد التكرير، بسبب التماس المباشر مع هذه المواد التي تحمل إشعاعات، كما أنها تترافق مع انبعاث أبخرة ذات رائحة كريهة ولون أسود، تنتشر في الجو، وتملأ معظم سماء المحافظة على شكل سُحب سوداء”.

أضاف بليبل، في حديث لـ (جيرون): “إن أخطر ما سينتج عن هذا التلوث هو انتشار السرطان، حيث تلوثت النباتات والمزروعات والمياه وكذلك الحيوانات، وستبقى هذه الإشعاعات سنوات مقبلة، كما أن المُخلّفات النفطية يتم تصريفها في الأراضي الزراعية، وتتسرّب إلى المياه الجوفية؛ وهذا ما يعزّز انتشار السرطان الذي بدأ أصلًا في المنطقة مع اكتشاف النفط في المحافظة، في ستينيات القرن الماضي”.

وصل التلوث في مناطق ريفي الحسكة والقامشلي ذروته، حيث تملأ سُحُب الدخان الأسود الأجواء؛ ما يهدّد بتساقط الأمطار الحامضية المحمّلة بالسموم، فضلًا عن تأثّر الزراعة والحيوانات، وهذا ما أكده مركز (روج لحماية البيئة) في القامشلي، فقد سجل في تقرير له عام 2016 “خلال عام واحد، أكثر من 200 حالة سرطان ثدي بين النساء”، وعزا المركز أسباب ذلك إلى “انتشار التلوّث بشكل واسع في المنطقة، بسبب حرّاقات النفط البدائية التي لوّثت المياه والهواء والمزروعات”، كما أكد أن “تلوثًا كبيرًا، بدأ يظهر في مياه نهر (جغجغ) الذي يستفيد منه سكان ريف القامشلي في سقاية المزروعات”، لافتًا النظر إلى أنه “لم يعد صالحًا للاستخدام البشري”.

الإهمال الطبي سببٌ رئيس لوفاة المرضى

تفتقر مدينتا القامشلي والحسكة إلى مراكز العلاج السرطاني، وتعانيان من ضعف إمكانات المشافي والعيادات الطبية لتجهيزات الكشف المبكّر عن حالات السرطان، كما أن هجرة معظم الأطباء من المحافظة أدت إلى حدوث أخطاء قاتلة، من قِبل بعض الصيادلة أو العاملين فيها من غير الأكاديميين، الذين يصفون أدوية ليست مناسبة للمرض، ويُضطّر مرضى السرطان إلى السفر إلى دمشق، ليتأكدوا من وجود الورم السرطاني، وعلاجه.

أكدت عبير العلي، وهي طبيبة في قسم الجراحة العامة في مشفى المواساة، لـ (جيرون) أنها “لاحظت، من خلال وجودها في المشفى واطّلاعها على بعض حالات مرضى السرطان القادمة من محافظة الحسكة، أن هناك زيادة في نسبة الوفيات من أهالي الحسكة، بهذا المرض، وذلك غالبًا يعود إلى الإهمال الطبي أو عدم الكشف عن المرض مبكرًا”.

أضافت عبير: “عدم توفّر الخبرة الكافية لدى الأطباء، وأخذ أدوية بشكلٍ عشوائي من الصيدليات، واللجوء إلى العمل الجراحي مباشرةً، قبل الخضوع لجلسات جرعات الكيماوي، تسبّبت بزيادة نسبة الوفاة، ولا يوجد علاج كيماوي إلا في دمشق، في مركزي (البيروني) و(ابن النفيس)، وغالبية المرضى يتأخرون عن موعد الجرعات، بسبب ظروفهم المادية السيئة أو عدم وجود حجز طيران”.

توفي والد عبد الله الأحمد، قبل 10 أيام، بعد معاناة استمرت سنوات مع المرض، وقال لـ (جيرون): “توفي والدي، بعد عدة سنوات من المعاناة مع سرطان القولون، وبعد عدة عمليات وعشرات جلسات العلاج في دمشق، وكان في كلّ مرة يتكلّف عناء السفر من أجل العلاج، بخاصة في ظل الظروف الحالية الصعبة في البلاد”. وأضاف: “إن عددًا كبير من الناس في المنطقة لقوا حتفهم، منهم أطفال ونساء، بسبب مرض السرطان وتأخّر الكشف عنه. غالبًا هذا الانتشار هو نتيجة الحرّاقات النفطية التي ملأت المنطقة ولوّثت كل شيء”.

نوعٌ نادر من المرض

أكد رئيس جمعية (الأمل لمكافحة السرطان) عبد الرحمن زينو أن الجمعية سجّلت وفاة 5 مصابين بسرطان جلدي نادر، كانوا قد قدِموا إلى تركيا من محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، ويسمى هذا المرض، في المجال العلمي، بـ (ساركوما كابوزي)، وعزا زينو ظهور هذا السرطان الجلدي إلى “تلوث الهواء في المنطقة الشرقية بالإشعاعات النفطية، نتيجة التكرير البدائي للنفط، حيث تعمل هذه الإشعاعات على شذوذ الخلية، وإحداث خلايا مسرطنة”.

أضاف زينو لـ (جيرون): “استقبلت جمعية (أمل) لمكافحة السرطان في مراكزها داخل تركيا، ما يقارب 100 حالة، من مرضى السرطان في المنطقة الشرقية، وهي تقوم بتقديم العلاج لهم، وتزوّدهم بالجرعات الكيماوية بالتعاون مع المشافي التركية، لكن لا يمكن إحصاء عدد المرضى بشكل دقيق، خاصةً في الحسكة، بسبب عدم قدرة الجميع على الخروج من المحافظة، ولجوء بعضهم إلى مناطق النظام، أو إقليم كردستان العراق أو السفر إلى لبنان”.

بعض الإجراءات الوقائية

في ظلّ الظروف الراهنة وازدياد حالات الوفاة بمرض السرطان، تبرز الضرورة لمحاولة الوقاية منه، والتخفيف من الأسباب التي تؤدي إلى ظهوره وانتشاره، حيث أكد بليبل، المختص في الهندسة الغذائية، على ضرورة إكثار أهالي المحافظة من “تناول الأغذية الداعمة بشكل دائم، من أجل حرق السموم المنتشرة في الجو مثل البيض والحليب، وبعض الأدوية التي تكافح السموم المتراكمة داخل الجسم، والناتجة عن استنشاق الغازات الضارة”.

من جانبه، نصح زينو السكان “بضرورة الانتباه إلى طريقة غذائهم، والإكثار من الفواكه والخضروات؛ لأنها تساعد في منع شذوذ الخلية وتحوّلها إلى خلية مسرطَنة، والتخفيف من استهلاك الدجاج المدجّن أو طبخه بطرق صحيحة بعد نزع جلده، لأنه يحتوي على هرمونات كيماوية، وضرورة الابتعاد -قدر المستطاع- عن مناطق إنتاج النفط أو الدخان الناتج عن هذه الحرّاقات”.

يُذكر أن وزارة الصحة التابعة للنظام أصدرت تقريرًا عام 2015، تحدثت فيه عن تسجيلها 85 ألف إصابة بالسرطان، خلال عام 2015، وأكدت أن كل حالتي وفاة مرضية في المشافي السورية، إحداها تكون حالة سرطان، وأكدت أن “الأمراض الناتجة عن أورام خبيثة تشكل نسبة 50 بالمئة، من الأمراض الأكثر تسبّبًا بالوفاة في سورية”.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق