قضايا المجتمع

لنصرخ بأعلى أصواتنا حتى يُفرج عن جميع المعتقلين

 

ربما هي المرة الأولى التي أشهدُ فيها شخصيًا حالاتِ ضرب واعتقال جماعي، لنساء وفتيات وشبان وحتى أطفال، لم أصدق ما يحصل أمامي، لكنه حدث في 16 آذار/ مارس 2011، يوم اعتصم العشرات من أهالي معتقلي الرأي والضمير، أمام مبنى وزارة الداخلية القريب من ساحة المرجة، للمطالبة بإطلاق سراح أبنائهم وأقربائهم، والكف عن الاعتقال السياسي، وإطلاق الحرّيات العامة، ومع أن عدد المعتصمات والمعتصمين لم يتعد بضع عشرات، إلا أن أعدادًا كبيرة من عناصر الأمن كانت حاضرة في المكان، في حالة استنفار قصوى، بعضهم ارتدى الزّي الخاص بالشرطة، وبعضهم الآخر ارتدى الزّي المدني، تسلل الكثير منهم بين المعتصمين، بانتظار أمر الانقضاض عليهم، وفعلًا ما إن رفعت بعض المعتصمات صور أقاربهن المعتقلين؛ حتى انقض المتنكرون باللباس المدني على تلك الصور، وخطفوها من بين أيدي المعتصمات، ومزقوها إربًا إربًا بطريقة عدوانية وعنيفة. لم يستوعب عناصر الأمن مشاهدةَ صورٍ تُرفع في الساحات سوى صورة “الرئيس”، ولم يكتفوا بذلك وحسب، بل أخذوا ينهالون ضربًا على المعتصمات اللواتي تراجعن إلى الخلف باتجاه ساحة المرجة، بعد أن انضم إليهن عددٌ من المتضامنين من ناشطي حقوق الإنسان، وتجمع عدد من المارة في محيط ساحة المرجة، وخرج أصحاب المكاتب المطلة على ساحة المرجة إلى شرفة مكاتبهم، ليتابعوا المعركة التي احتدمت في ساحة المرجة -كرًّا وفرًّا- بين عناصر الأمن والمعتصمين، وانتهى الاعتصام باعتقال العشرات، ممن شاركوا فيه، وآخرين ممن صادف وجودهم أو مروهم في ساحة المرجة ساعة الاعتصام. وكان من بينهم -على ما أذكر- السيدة سهير الأتاسي، والأستاذ مازن درويش رئيس المركز السوري لحرية الإعلام والتعبير، والصحفي كمال شيخو والمحامية سيرين خوري، والسيدة ناهد بدوية، وفتيات من عائلة الدكتور كمال اللبواني، وكثير من الشبان والشابات اللواتي لم أعد أذكر أسماءهن، وكان لافتًا مشاركة الدكتور طيب تيزيني الذي تعرض للاعتقال بطريقة مهينة وعنيفة.

بعد يومين، تمت إحالة نحو 32 ممن تم اعتقالهم في ساحة المرجة، بداعي المشاركة في الاعتصام، إلى النيابة العامة بدمشق، كان الوقت متأخرًا، ولم يكن هناك مندوب للوكالات، وعلى الرغم من اعتراض القاضي المناوب على حضورنا من دون وكالة، إلا أننا أصرّينا على الحضور معهم، استنادًا إلى النص القانوني الذي يسمح لنا بادعاء الوكالة على محضر جلسة الاستجواب، وحتى بالحضور كمحامين مسخرين، وأذكر أن الموقف توتر بعد أن تجمع الكثير من أهالي وأقرباء المعتقلين، أمام نظارة القصر العدلي للاطمئنان على أولادهم، بينما عناصر الشرطة تحاول إبعادهم، ومنعهم من الدخول إلى النظارة، ولوحظ وجود بعض عناصر الأمن، وهم يراقبون الوضع، ويجرون اتصالات من دون أن يتدخلوا في المشهد.

بدا المحامي العام الأول متوترًا ومرتبكًا، ولا يعرف كيف يتعامل مع الموقف، إذا لم يسبق له أن تعرّض لمثل هذا الموقف في حياته، وكنتُ أنا والأستاذ خليل معتوق والأستاذة رزان زيتونة نعمل على تهدئة الموقف، سواء من جهة الأهالي أو من جهة الشرطة والقضاة، وبعد أخذ ورد، مع المحامي العام الأول ورئيس قسم شرطة القصر العدلي؛ وافق المحامي العام الأول على أن أتولى مع الأستاذ خليل معتوق مهمةَ الاطمئنان على المعتقلين في النظارة، وتزويدهم بالنقود والطعام، تحت إشراف ورقابة عناصر الشرطة، ومتابعة الموقف مع الأهالي المحتشدين أمام نظارة القصر العدلي.

بعد نحو ساعة، بدأ قاضي التحقيق مهمة استجواب المعتقلين تباعًا، وقد لفت انتباهي اعتقالُ أشخاص لا علاقة لهم بالاعتصام، وكان من بينهم طفلٌ لم يتجاوز عمره أربعة عشر عامًا، توليت الدفاع عنه، حيث حضرتُ معه جلسة الاستجواب، أمام قاضي التحقيق المختص بقضايا الأحداث، وعندما سأله القاضي عن سبب مشاركته في الاعتصام، أجاب الطفل، وهو يرتجف من الخوف: “ما فهمت ما معنى (اعتصام)!” هنا أعاد القاضي السؤال بصيغة أخرى: ماذا كنت تفعل في الساحة، عندما أخذك عناصر الأمن؟ أجاب الطفل أنه كان يتفرج، فسأله القاضي على ماذا تتفرج؟ وهنا استأذنتُ القاضي موضحًا أن الطفل لا علاقة له بالاعتصام، وأن وجوده صادف وقت الاعتصام، ويبدو من ثيابه الملوثة بالزيت والشحم أنه يعمل في ورشة تصليح، قاطعني القاضي، بسؤال الطفل مجددًا عن عمله وفي أي مكان يعمل، أجاب الطفل إنه يعمل في ورشة لتصليح مولدات المياه، خلف ساحة المرجة، قاطعه القاضي قائلًا: “إي، وماذا كنت تفعل في الساحة؟ أجاب الطفل: “يا سيدي، عند الظهر، طلب مني معلمي أن أذهب إلى محل الفلافل في ساحة المرجة، من أجل شراء سندويشات فلافل، وعندما وصلت إلى الساحة، شاهدت عدة أشخاص يتجمعون حول مذيعة قناة (الدنيا)، ويتحدثون معها، فوقفت أتفرج معهم، وبعد قليل أمسكني شخص من يدي، وأخذني مع الشخص الذي كانت المذيعة تحكي معه، هذا ما حدث معي، وأنا ما عملت شيئًا أبدًا”، ويبدو أن القاضي اقتنع بكلامه، وقرر إطلاق سراحه بعد يومين من الاحتجاز. أما الشخص الذي كان يتحدث مع قناة (الدنيا)، فعندما سأله القاضي عن سبب مشاركته في الاعتصام، رد قائلًا: “يا سيدي، أنا كنت أسير في ساحة المرجة باتجاه شارع النصر، وعند وصولي إلى محلات الحافظ، فوجئت بالمذيعة، وهي تسألني عن رأيي بما يحدث، فقلت لها أنا مع السيد الرئيس، وفي هذه اللحظة حصل تدافع، ولم أشعر بنفسي إلا مقيدًا، وأنا عضو بحزب البعث، وليس لدي أي نشاط سياسي، لكن القاضي لم يقتنع بكلامه، وقرر توقيفه، ليُطلق سراحه بعد عشرة أيام من التوقيف.

بعد هذا الاعتصام، كرّت سبحة الاعتقالات، لتغص بهم المحاكم والسجون والزنازين، ولتتحول قضية المعتقلين، طوال السنوات الماضية، إلى مأساة لم يشهد التاريخ مثيلًا لها، بعد أن فاقت أعداد المعتقلين أي تصور ممكن، وكبُرَت معها معاناتهم ومعاناة أهاليهم الذين باتوا عرضة للابتزاز والسمسرة، فضلًا عن اتخاذهم، كرهائن عند نظام الأسد، يبتز بهم أهاليهم، لفرض شروطه عليهم.. في ظل تقاعس الجهات المحلية والدولية المعنية عن إيجاد حلّ لهذه المأساة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلًا.

لنعمل ما في وسعنا، ولنصرخْ بأعلى أصواتنا، ولا يجب أن نكف عن الصراخ، طالما يوجد معتقل واحد، سواء في سجون وزنازين النظام أم في سجون المعارضة المسلحة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق