مقالات الرأي

الرابحون والخاسرون من العولمة

 

العنوان نفسُه كان العنوانَ التحريضي المختار، هذه السنة، لـ “قمةٍ” أوروبية، تُعقد سنويًا، باسم “قمة رؤى أوروبا”، دُعيتُ إليها منذ أيام، في مدينة تورينو الإيطالية. وتجمع هذه “القمة” نخبةً من كبار الموظفين، والباحثين الاقتصاديين والماليين، ومديري كبريات الشركات متعددة الجنسيات ومتعددة الاختصاصات ومتعددة التوجهات. وبما أنها مشاركتي الأولى؛ فيمكن لي أن أعتقد، بعد استفسارات عدة، أنها السنة الأولى التي يتم الخروج فيها، ولو قليلًا، عن درب الاقتصاد؛ والتوجّه، ولو قليلًا، باتجاه السياسة والعلاقات الدولية.

طلب مني المنظمون التحدثَ عن “المنطقة العربية”، وتأثرها بالعولمة، واستخلاصًا سريعًا لإمكانية أن تكون من الرابحين أو من الخاسرين في هذا النطاق. وقد ترددت كثيرًا في اختيار محاور مداخلتي، نظرًا إلى رفعة مستوى الحضور، واهتماماتهم البعيدة نسبيًا عن حقول اختصاصي. وبحثت عما هو مناسب لعرضٍ موضوعي متجرّد، يُحاكي عقولًا غير آبهة نسبيًا -أو هكذا حكمنا عليها- بالمآسي والكوارث إلا من جهة تأثيرها على الأداء العام للاقتصاديات الدولية.

في الحديث عن المنطقة العربية ومسألة العولمة، هناك الكثير من الشؤون والشجون، وهناك الكثير من الربح والهائل من الخسارة بجدارة؛ أما الخوض في الاقتصاد والأموال، فعلاوة على أن هذا الموضوع يثير لدي الكثير من الحساسية السلبية، فأنا أعتبر نفسي غير ضالعٍ ولا ضليع في أساريره المتشابكة، خصوصًا في أيامنا الجارية.

كان عليّ أن أختار معالجة سريعة وبرقية لهمّي الأول، وهو حقوق الناس، وتأثيره أو تأثّره بالعولمة في المنطقة العربية. وحقوق الناس، التي أفضّلها تعبيريًا عن حقوق الإنسان، لا تقتصر على نتائج العولمة المباشرة، في أمورهم المعيشية وأسواق عملهم المنهارة، بسبب الانفتاح المنظم أو العشوائي الذي يُلائم دائمًا من يتسلط على مصايرهم من قادتهم “الوطنيين” ناهبي الثروات، ومرسّخي القيود في التعبير وفي البوح.

بدأتُ بعولمة القتل، مُشيرًا إلى مقتل 65 مدني في مدينة سورية، قبل يومين من هذه القمة. لم يسمع ساكنوها بالقمة، ولا القمة سمعت باسمها: “الأتارب”. أما السلاح الروسي المستخدم ضد هؤلاء الضحايا، والذي كان يتم تجريبه في سيبيريا، كما ذكر فلاديمير بوتين نفسه، فهو الآن -بفضل عولمة القتل- يُجرّب على المدنيين في سورية، كما ذكر بوتين نفسه أيضًا. وبفضل هذا الموت؛ سجلت مبيعاته أعلى نسبة لها، منذ نهاية الحرب الباردة، كما ذكر آنف الذكر نفسه أيضًا، وأيضًا.

وفي عولمة الثقافة، تم في إمارة أبو ظبي افتتاح متحف “اللوفر” الباريسي، بعد عشر سنوات عمل وإنفاق فاق الخيال؛ وبذلك أصبح من الممكن لعشرة زائرين يوميًا، كمعدل وسطي، أن ينعموا بكنوز مستعارة في جُلّها من “اللوفر” الأم، في مكان مكيف بعيدٍ من قيظ المدينة. وعولمة “الثقافة” المصطنعة هذه تنقل رمزًا مرتبطًا بمدينة لتحط به في بيئة غريبة عنه، لا يضع أهلوها “اللوفر” الأصلي في قائمة أولوياتهم السياحية، عندما يحطون الرحال في باريس نفسها. وربما، ومن خلال طقوس الحسد والمنافسة؛ ستقوم إمارة أخرى بتشييد برج “إيفل” يُحاكي برج باريس ورمزها. أو قوسًا للنصر تنطلق منه جادة شانزليزيه في وسط مدينة ما، تملك مالًا تستورد من خلاله صروحًا ثقافية، تخلو غالبًا من المضمون. فالشكل يهم أما المضمون الإبداعي والتنويري، فسيكون محط رقابة لصيقة في ظل عولمة الأمن المُنسّق. وعلى هامش الافتتاح الذي سلطت عليه جُلّ صحف العالم وتلفزاته الضوء، أوقفت سلطات “اللوفر الجديد” صحفيين سويسريين، بتهمة راوحت بين التجسس لقطر أو التخابر مع إيران. وقبل أن يتم الاختيار؛ أطلِق سراحهما وتم ترحيلهما، ولكن دون أن تُشير وسائل الإعلام المحتفلة ذاتها إلى هذه الحادثة إلا في زواياها المظلمة.

ومن جهة عولمة السلاح، فقد تم في باريس استقبال “الملك الشمس”، الجنرال السيسي، بحفاوة كبيرة، لربما غار منها القذافي في منقلبه، لأنها ذكّرت بزيارته الإمبراطورية إلى باريس سنة 2007. وقد أغفل مستضيفوه، المؤتمنون على قيم الثورة الفرنسية، التطرق إلى أي من انتهاكاته المستمرة لحقوق الإنسان، منذ انقلابه العسكري سنة 2013، في مقابل بيع طائرات (الرافال) الحربية.

وفيما يخص عولمة الفساد، فقد أطلق القضاء الفرنسي تحقيقات معمّقة، بخصوص دفع شركة (لافارج) رشًا إلى إرهابيي (داعش)، مقابل استمرار العمل في مصانعها، وكأنها لم تكن تدفع خلال سنين طوال لسلطات محلية، تحمل تسميات مختلفة، أموالًا طائلة أو حصصًا في الأرباح، مقابل السماح لها بالإنتاج، كما كل المصانع والمصالح الاقتصادية.

وهناك أيضًا عولمة الإفلات من العقاب، فالتحالفات الدولية، في تسمياتها المتنوعة، تتوافق فيما بينها على أن يفلت القتلة ومرتكبو جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية، من العقاب ومن المحاسبة والمسائلة. ومقابل هذا الإفلات؛ تحصل هذه التحالفات جمعًا أو فرادًا، على تعزيز مصالحها.

وسائل القمع تتعولم أيضًا؛ حيث تستفيد الشركات متعددة الجنسيات العاملة في مجال حفظ الأمن، أو القضاء عليه، عبر مرتزقة وخبراء، في مد مجالاتها جغرافيًا، من دون النظر إلى طبيعة الأنظمة الحاكمة، ومدى تقيّدها بالقوانين الدولية، أو حتى المحلية.

أما عولمة القيم الإنسانية ودولة القانون وحقوق الناس والتعددية والممارسات الديمقراطية وحرية التعبير، فهي ثالثة الأثافي، والعياذ بالله.

مقالات ذات صلة

إغلاق