أدب وفنون

قِطَع غيار لكبار السن

 

ظَهْر أبي خلدون، رقبته، ركبته، كلّها تؤلمه في وقت واحد!

صار جسمه السبعيني آلةً موسيقية ينطلق منها صوت واحد هو: آخ!

حالة قلبه هي الأسوأ، هذا المحترم انسدتْ أكثر شرايينه، انتفخ وتضخم، حتى بات أبو خلدون يتصوره تارة بحجم قرنبيطة، وتارة كبالون طفل منفوخٍ أكثرَ من اللازم.

أمام الوضع المتدهور أخذ الرجل العجوز يتابع بعضَ البرامج الطبية في التلفزيون، أدوية كالسحر ستنزل قريبًا إلى الأسواق، عمليات جراحية مبتكرة ستعيد الشيخَ إلى صباه!

وذات ليلة، بعد أن أخذ دواءَ القلب، وضع رأسه على المخدة بجوار تلة من اللحم والشحم هي زوجته، مرَّ النوم بيده على عينيه، فرأى في الحلم أمرًا عجيبًا!

كان مشتركًا في مظاهرة كلّ مَنْ فيها شيوخٌ من أمثاله، خدود أكثرهم ناشفة، مخفِّسة، ملتصقة ببدلات أسنانهم! قاماتهم مائلة كأغصان شجر مكسورة، واللهاث من كل حدب وصوب!

قام هؤلاء بمظاهرتهم بعد أن علموا أن الطب تقدَّمَ إلى حد كبير في مدينتهم، وتوفرتْ قطع غيار للبشر، لكنَّ أحدًا لا يفكر في تقديمها إليهم.

فوق الرؤوس الشائبة والصلعاء، ارتفعتْ لافتات كثيرة، عليها عبارات متنوعة:

* ذهبتْ صحتنا، لكننا أحياء.

* نريد عيونًا جديدة لنرى الطريق.

* نريد آذانًا جديدة لنسمع زقزقةَ العصافير.

* أعطونا سيقانًا لنركضَ ونرقصَ مع الصبايا.

* يا أهل بلدنا، إذا لم تساعدونا؛ فسنجلس وراء مكبرات الصوت نئن ونتأوه ونخنخن بأصواتنا، ونمط سعالنا حتى نحرمكم من الراحة.

بدأ الناس يتجمعون للفرجة على المظاهرة، ومَنْ لم ينزل من بيته إلى الشارع مدَّ رأسه ونصفَ جسمه من النافذة.

مع زيادة المتفرجين، زادتْ حماسة الشيوخ المتظاهرين، فأخذوا يهتفون بقوة مؤكدين طلباتهم، ثم صمتوا ورفع أحدهم صوته، وكأنه يغني:

(طلِّع.. طلِّع في الختيار/ في عيونو مية حكاية

يا شبّ الزمن دوَّار/ بيرمي طيور معلاَّية)

وصل الموكب إلى الميدان الكبير في المدينة، فأطلق الشيوخ من مناخيرهم وفي لحظة واحدة صوت (خن.. ن.. ن) أي أنهم بدؤوا ينفِّذون تهديداتهم.

بعد الخنخنة، أرسلوا في الجو عنينًا طويلًا، ثم وحَّدوا حلوقَهم في وَصْـلة سعال عجيبة جعلتِ الناسَ يمسكون رؤوسَـهم! ظهرَ عندئذ رجلٌ وقور من متوسطي الأعمار، تقدَّم نحو المظاهرة، وخلفه شاب يحمل دفترًا، قال:

– مهلًا أيها الشيوخ الأعزاء.. أنا مندوب أهل المدينة، جئت لأتفاوض معكم. لا توجد في مستودعاتنا -مع الأسف- قطع غيار كافية لكل ما ترغبون في تبديله من أجسامكم، لكننا لن نردَّكم خائبين سنعطي كلَّ شيخ منكم قطعةَ غيار واحدة، يدبِّر نفسه بها، عين جديدة مثلًا أو عمود فقري أو ركبة. هيا سجلوا ما تريدونه عند الشاب الذي يحمل الدفتر من ورائي.

تردد الشيوخ في قبول العرض لحظاتٍ قليلة، تبادلوا خلالها النظرات، ثم وافقوا، فبدأتْ عملية التسجيل.

كان الشاب الذي يقوم بذلك خفيفَ الظل، فحين يتلقى الطلب من أحدهم، يرفع صوته وهو يكتبه على الدفتر.

(أنف لأبي سمير)

(رقبة طويلة للعم يوسف)

(بطة ساق للخال محمود)

(شعر لصلعة السيد فؤاد)

وصل الدور إلى أبي خلدون، فسأله الشاب:

  • وأنت ماذا تريد يا عم؟ اطلبْ وتَمَنَّ.

أشار أبو خلدون إلى صدره قائلًا:

– قلب.. يلزمني قلب. هذا الذي في صدري صار في حالة يرثى لها.

صاح الشاب وهو يسجل:

  • قلب من أحسن نوع للعم أبي خلدون.

استدار أبو خلدون، مشى خطوةً واحدة، لكنه رجع وعصفور القلق ينقر عينيه:

– اشطبْ.. اشطبْ أرجوك. أنا لا أريد قلبًا، لا أريد أيَّ شيء.

طار حاجبا الشاب إلى فوق، أو طيَّرهما هو بأسلوبه الخفيف الظل، سأل:

– ما الحكاية يا عمنا؟ لماذا لم تعد تريد القلب! هل تظن أننا -لا سمح الله- سنعطيك قلبًا له أذين واحد؟ أو قلبًا سبق استعماله من (البالة الطبية)؟ والله لن أشطب، إلا إذا عرفت منك السبب.

بلع الرجل الكبير ريقه، قال:

– قد لا تفهم ما سأقوله يا ولدي.. بيني وبين قلبي القديم عِشرةٌ طويلة. صحيح أنه تالف مهترئ، لكنه حنون حساس، يجعلني مثلًا أسلطن على أغاني أيام زمان، عند محمد عبد المطلب وأم كلثوم، يجعلني أملأ الأنفَ ولا أشبع برائحة حارتي رغم عيوبها وعيوب أهلها، والأهم أنه يساعدني على تحمّل أكبر بلوة في حياتي: زوجتي المصونة أم خلدون. آه لو رأيتَ منظرها. إنها دبة حقيقية، ولسانها ألعن من شكلها! بهذا القديم المهترئ، أصبر أيضًا على الأقرباء الأعداء.. أعني أولادي وزوجاتهم. إنهم يسرقونني وعيوني مفتَّحة، ولا يعجبهم أن أصرف ولو قرشًا واحدًا على نفسي! تصوَّرْ أنهم ينزعجون إذا ذهبت إلى الطبيب أو اشتريت دواءً للقلب الذي أتحملهم به! لأن الدواء قد يؤخر ما يتمنونه لي، وهو أن يقوم السيد عزرائيل بزيارتي، ومع هذا كله أفتح باب بيتي لهؤلاء، ويضحك سني لهم أحيانًا. أيّ قلب جديد يفعل هذا؟ أيّ قلب؟!

كرجتْ دمعةٌ من عين أبي خلدون، والتصقتْ لحظة بقرنة أنفه، فأسرع الشاب يقول:

– اطمئن يا عم.. لن تتغيرَ ذرةٌ من مشاعرك مع القلب الجديد، فالعلم له رأي قاطع في هذه المسألة: عواطف الناس مكانها في رؤوسهم لا في قلوبهم.

لم يطمئن أبو خلدون، بل ابتعد واضعًا يده على صدره، وكأنه يخاف أن يأخذوا قلبه رغمًا عنه، أخذ يركض ويلهث، ومع لهاثه انتفض واستيقظ.

ألقى نظرةً على ما حوله، فرأى بجواره تلةَ اللحم والشحم قد دفعتْه إلى طرف السرير حتى كاد يسقط على الأرض! وسمعها تشخر شخيرًا عجيبًا، فتمتم: رباه ما أغباني.. كان يجب أن أقبل بالقلب الجديد، لعله يريحني منها.

مقالات ذات صلة

إغلاق