هموم ثقافية

أزمة الرجولة في المجتمع الذكوري

“الهزيمة والرجولة ضدان لا يجتمعان”

كثيرًا ما يقال: النساء نصف المجتمع، فلا ينهض المجتمع، ولا يتقدم ونصفه مشلول. لا شك في أن الشطر الأول من هذا القول صحيح من الزاوية الإحصائية، النساء نصف المجتمع تقريبًا، أكثر قليلًا أو أقل قليلًا، ولكن الشطر الثاني من الحكم إشكالي؛ فليس نصف المجتمع هو المشلول، بل المجتمع كله، بذكوره وإناثه، حسب جاد الكريم الجباعي.

يقول الجباعي: “حين يوصف المجتمع بأنه مجتمع بطركي، تكون البطركيةُ مرضَه، وحين يوصف بأنه ذكوريٌّ، تكون الذكوريةُ مرضَه، سواء بسواء. فهل فكر الرجال بشللهم هم، لا بشلل النساء فقط، هل فكروا برجولتهم الهشة وأشكال التعويض الكاريكاتورية عن هشاشتها، وهل تأملوا فحولتهم! وهل فكروا في أن هذه الهشاشة هي السبب الأعمق من أسباب هزائمهم وهزائم نسائهم! وهل فكروا في أن البطركية لا تكون مرضَ المجتمع إلا حين تكون مرضَ كل واحد فيهم، وأن الذكورية ليست مرض المجتمع إلا لأنها مرض كل واحد فيهم”.

قلة من المفكرين والكتاب، والمدافعين عن حقوق الإنسان، وأنصار تحرر المرأة والمدافعين عن حقوقها، من حفروا على جذور التخلف الاجتماعي والتأخر التاريخي، وعزوا هذا وذاك إلى “تدهور الشرط الإنساني”، عمومًا والشرط النسوي خصوصًا، بتعبير إلياس مرقص. من هؤلاء القلة جورج طرابيشي الكاتب والمفكر والناقد والمترجم، الذي وضع يده على أزمة الرجولة، في المجتمعات الشرقية المكبوتة جنسيًا، والمتخلفة اجتماعيًا والمهزومة سياسيًا، والمؤدلجة فكريًا وثقافيًا، إذ يستفحل الرجل الشرقي في لحظة الهزيمة، ليقنع نفسه أنه منتصر، في مجتمع لا يعترف إلا بذكورة منتصرة، التي هي رجولة مبتورة وفحولة منتعضة.

وقد برزت هذه المسألة وخلفيتها الفكرية والنفسية في الرواية العربية، منذ أيام توفيق الحكيم إلى وقتنا الحالي، مع بعض التغيرات الطفيفة التي حصلت داخل الأدب من انفتاح على الثقافات الأخرى، وتأثر بعض المجتمعات العربية بالمجتمعات المتقدمة، فإذا تكلمنا على مجتمعات ذكورية؛ فنحن نتكلم في الحقيقة على مجتمعات عربية، استفحلت فيها الذكورة في لحظات ضعفها وردات فعلها على ما خلفه الاستعمار في تلك المجتمعات.

كرّس جورج طرابيشي شطرًا من حياته الثقافيّة على قراءة الأدب العربي المعاصر ونقده، ولا سيّما الأدب الروائي، فاختار أبرز الأدباء وتناولهم بالنقد واحدًا تلو الآخر. بدأ بـ توفيق الحكيم في (لعبة الحلم والواقع)، ونجيب محفوظ في (الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية). ثم عبد الرحمن منيف في روايته (حين تركنا الجسر) التي اعتبرها جورج طرابيشي، قصة قصيرة طويلة وليست رواية، رغم اعترافه بإبداع الكاتب في تصوير الرجل الشرقي مخصيِّ الذكورة، وتصويره للمازوخية النفسية التي تطال الذات، فتنعدم رغبة الرجل في الحياة وتزداد رغبته في الموت، مقارنة برواية (الشيخ والبحر) للكاتب الأميركي أرنست همنغوي، فذهب طرابيشي في نقده إلى الجدل والمفارقة بين الأدب الغربي والأدب العربي، معتمدًا مناهج التحليل النفسي والفلسفي الرواية وشخصياتها، مستفيدًا في ذلك من ترجماته الكثيرة للأعمال الفلسفية عامة، وأعمال فرويد على وجه الخصوص، وقد قدّم في ذلك وعيًا متقدمًا وذكيًا وعميقاَ في تلك المقارنات، وألقى الضوء على تقييد الظواهر اللاواعية التي تعاني منها الرواية العربية، بما يعكس حقيقة المنظور الجذري للواقع التاريخي، وإبراز الثقافة التي تصنع الفروق بين الروايتين، من ناحية الثقافة والعاطفة والعقل والاستسلام للموت بعد الهزيمة والمناجاة في رواية (حين تركنا الجسر)، بالرغم من وجود ما يكفي من أسلحة مع الصياد، وصراع الصياد المسنّ في (الشيخ والبحر) من أجل البقاء في حيوية الحياة بسلاح بسيط موجود داخله هو سلاح الوجود.

“(حين تركنا الجسر) غنائية مازوخية وليست نرجسية” هكذا وصفها جورج طرابيشي، المازوخية النفسية التي تنزل بالذات الإنسانية وتستقر في لاوعيها، في العمق غير الظاهر، مقابل الوعي في شخصيات الرواية الغربية. وقد وضع طرابيشي ثنائية الذكورة والأنوثة، مقابل ثنائية الشرق والغرب، من خلال دراسته لشخصيات الرواية العربية، وعوالمها، وتحليل رمزياتها. إذ لا تقتصر نظرة الرجل في المجتمعات الذكورية (الأبوية) على علاقته بالمرأة على أنها الآخر المختلف، وأدنى منه بدرجات، وأنها المستضعَفة والخاضعة لهيمنته، بل انعكست هذه النظرة على علاقته بالعالم، فالنظرة إلى الغرب نظرة استشراقية مقلوبة: الشرق ذكر وَالغرب أُنثَى، سواء في إطار ما يسمى “الصراع بين الشرق والغرب”؛ كموقف مُحْسن في رواية (عصفور من الشرق) لتوفيق الحكيم، أو من خلال الشعور بالقهر الاستعماري، كموقف مصطفى سعيد في رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح.

ليس صراعًا ما يحدث في علاقة الشرق بالغرب، إنما هو عنّة ثقافية وخصاء فكريّ، يعاني منه الرجل الشرقي، فيستعيض عنها بفحولته القضيبية، فتتحول المثاقفة إلى علاقة جنسية بين الذكر والأنثى؛ من ثم تتحول إلى جنسنة العلاقة بين الإنسان والعالم، حتى لو اضطر الرجل الشرقي إلى الكذب على نفسه وعلى العالم ليصوّر الشرق ساحرًا، سماويًا طاهرًا، يرجع السبب في ذلك إلى التمسك بماضوية متزمتة، ممتلئة بسياسة التجهيل والتدجين، عاجزة عن السير إلى الأمام، والشعور بالقهر الاستعماري الذي ما زال يلازمنا حتى وقتنا الحالي.

بقيت تلك الروايات تنتظر جورج طرابيشي أكثر من ربع قرن، حتى قام بتفكيكها وتحليلها وأبرز فيها الهرم التراتبي للمجتمع الذكوري، ليقول لنا: “في مجتمع أبويّ شرقيّ، متأخر ومتخلف، مشحون حتى النخاع بأيديولوجيا طهرانية، متزمتة وحنبلية، يغدو مفهوم الرجولة والأنوثة مفهومًا موجهًا لا للعلاقات بين الرجل والمرأة فحسب، بل أيضًا للعلاقات بين الإنسان والعالم”.

يصل طرابيشي إلى أن التحليل النفسي يكرّس العلاقة بين الرجولة والأنوثة لصالح الرجولة، فالعلاقة الجنسية بينهما علاقة ذكورية بامتياز، كما أن مفردات اللغة في المجتمعات الذكورية مشحونة بالقوة والسيطرة؛ وعلى وجه الخصوص تلك التي تدل على العلاقة الجنسية بين الذكر والأنثى، وقد عززت ذلك الشريعة الإسلامية في عقد الزواج (النكاح) (زوجّتك نفسي)، يدل على علوّ شأن الذكر ودونية الأنثى، “الرجل هو من يأتي المرأة، ولهذا يُقال، فيما يُقال، وطئها، سمها، دعسها، رعزها، إلخ….”. كما أن إطلاق مفردات (البكر والعذراء والفتح) على الاستكشافات الجديدة والاستيلاء عليها، تدل بشكل واضح وصريح على ذكَرٍ فاتح مهيمن ومسيطر، وأنثى عذراء مستسلمة وخاضعة.

قدّم لنا طرابيشي توضيحًا عميقًا لثِقل الموروث التاريخي الذي قزّم المفاهيم، ووأدها تحت فحولة الذكورة، فقد ظل الذكر الشرقي يتأرجح بين الأدب ومتاهة التاريخ، حتى أصبح “الشرق ذكرًا” و”الغرب” أنثى، “إذا ركبتَ فتاة شقراء، فأنت تركب أمة بكاملها”، ثم يغدو الغرب والشرق عالمين لن يلتقيا ثقافيًا، “الغرب غرب والشرق شرق”، كما هي الحال في رواية (الأشجار واغتيال مرزوق).

يخلص طرابيشي إلى أن للأدب دورًا خطيرًا في تشكيل الوعي، وللوعي دور خطير في تشكيل التاريخ.

مقالات ذات صلة

إغلاق