تحقيقات وتقارير سياسية

ليركع المجد لبيروت

 

(في ذكرى الشهيد القائد ياسر عرفات)

حين غادر الشهيد القائد ياسر عرفات ميناء بيروت إلى تونس، وقبل صعوده إلى السفينة، قال: “أيها المجد، لتركع أمام بيروت”.

لم يكن يوم الحادي عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر يومًا عاديًا، ففي مثل هذا اليوم، قبل ثلاثة عشرة عامًا، رحل قائد كبير من قادة هذه الأمة، ورجل فريد من رجالاتها، رحل مظلومًا في الغالب، على يد قاتل مأجور لم تصل إليه يد العدالة، وأقلّ ما قيل ويُقال إنه رحل في ظروف غامضة.

كان ياسر عرفات -بكل المقاييس- ربّانًا ماهرًا لسفينة الثورة الفلسطينية، في بحر هائج مائج، من الأحداث التي كانت تعصف بالمنطقة برمتها، وبخاصة في فلسطين، وما كان يُسمى دول الطوق (سورية والأردن ومصر ولبنان)، حيث تنافست هذه الدول، على أن تكون “منظمة التحرير الفلسطينية” ورقةً في يد هذا الزعيم، أو ورقة تخدم سياسة هذه الدولة أو تلك، ولم تُعامَل المنظمة، كقوة تحرير مستقلة ذات قرار فلسطيني فقط، وحاول الجميع أن يُساوم (إسرائيل) تارةً، على هذه الورقة، والغرب تارةً أخرى؛ إذ كانت المنظمة مصدرَ إزعاج لـ (إسرائيل)، ومصدر إحراج للغرب.

لكن أشد معاناة، عانتها “منظمة التحرير الفلسطينية”، وقائدها الشهيد عرفات، كانت من النظام السوري، ورأسه -آنذاك- حافظ الأسد، الذي لم يترك وسيلةً للضغط على المنظمة إلا اتّبعها، ولم يترك وسيلةً لشرذمة القوى الفلسطينية إلا استخدمها، ولم يترك فعلًا لإذلال الفلسطينيين، إلا قام به؛ حتى استطاع أن ينتزع من الثورة الفلسطينية أقذرَ أوراقها ممثلةً بالجبهة الشعبية، و”أبو نضال” صاحب بندقية الإيجار.

لم يكن حافظ الأسد ليقبل بوجود من ينافسه على الزعامة في لبنان، ولم يكن ليقبل باستقلالية “منظمة التحرير الفلسطينية” في قرارها؛ ولذلك أعلن الحربَ على المنظمة، ومن وقف إلى جانبها من قوى اليسار اللبناني، وعلى رأس هذه القوى الشهيد كمال جنبلاط اليساري الطامح إلى زعامة لبنان، زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي، والذي اغتاله عملاء الأسد، يوم 16 آذار/ مارس 1977. لقد كان همّ حافظ الأسد الوحيد هو أن لا يرى قوة متنامية خارج سلطته في لبنان، وذهب حافظ الأسد أبعد من ذلك، حين دعم القوى المسيحية اليمينية المدعومة من (إسرائيل)، وكل ذلك خوفًا من انتصار فلسطيني يساري، يقود إلى تدخل (إسرائيل) التي يخشى الأسد مواجهتها منفردًا، ففضل أن يهزم “منظمة التحرير” وشركاءها اللبنانيين، على أن ينتصروا، ويواجه هو (إسرائيل) مرغمًا.

بعد اتفاق قوات الردع العربية، دخل الجيش السوري، وانتشر على الطريق الساحلي حتى نهر الزهراني، على بعد كيلومترات قليلة من صيدا. أما جنوب هذا الخط فلا وجود لأي جندي سوري، وذلك حسب اتفاقية غير مكتوبة، بين الأسد و(إسرائيل)، بضمانة أمريكية، واستمر هذا الخط حتى اجتياح بيروت 1982، لتنسحب القوات السورية انسحابًا مُذِلًا، وانسحبت “منظمة التحرير” إلى بيروت، حيث بدأ حصارهم، ومع كل ذلك الذُل والإهانة للجيش السوري إلا أن حافظ الأسد كان يشعر بالسعادة، لتصفية الوجود الفلسطيني في صيدا وبيروت، خلال ثلاثة أشهر فقط، وهو الشيء الذي لم يستطع تحقيقيه بين عامي 76 و82. وفي عامي 82 و83 تابع حافظ الأسد ما بدأه الإسرائيلي، وحاصر منظمة التحرير في طرابلس، حتى رحل آخر فلسطيني يتبع لمنظمة التحرير الفلسطينية، يوم 30 آب/ أغسطس من العام نفسه، وكانت تونس هي الوجهة، بعد أن غرقت مصر بـ “كامب ديفيد”، وسبق للأردن إخراج المنظمة، وسورية بطبيعة الحال كانت على تفاهم عميق مع أميركا، وساهمت في قسط كبير من الحرب على المنظمة في لبنان، وحتى بعد أن عرض الأسد على عرفات استضافته، فقد رفض عرفات، لأنه استشعر مُبكرًا أنها محاولة أخيرة للأسد؛ من أجل القضاء على المقاومة الفلسطينية.

يقول بسام أبو شريف، مستشار عرفات، وأحد القيادات التاريخية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: حاول عرفات أن يُقنع أعضاء القيادة الفلسطينية أن يخرجوا معه، وعدم التوجه إلى دمشق، حتى تكون الرسالة واضحة، ولكنه لم ينجح بإقناع القيادات اليسارية أو قادة يسار فتح بالخروج معه، وقبل ثلاثة أيام من مغادرتنا بيروت إلى طرطوس في سورية، عقد المكتب السياسي للجبهة الشعبية اجتماعًا طارئًا، لبحث الترتيبات النهائية للخروج إلى سورية، وترأس الاجتماع جورج حبش الأمين العام للجبهة، وبينما نحن منهمكون في النقاش، إذ بياسر عرفات يدخل إلينا يرافقه عدد من المسلحين، وقال ضاحكًا: “كبستكم كبسة” على من تتآمرون؟ كان يضج بالحيوية ويُمازح ويضحك، وهرع نحو الحكيم ليعانقه، وجلس قائلًا: اعتبروني عضو مكتب سياسي عندكم، لنكمل الحديث، فضحك الجميع ثم أطرق عرفات قليلًا، وقال: اسمحوا لي أن أقول لكم كلمة، قبل أن أترككم تتابعون عملكم: رغم ضآلة إمكاناتنا، هزمْنا شارونَ وحدنا، عارفين أيه وحدنا؟ وهم يتصورون أننا نغادر بيروت، نحو الاندثار والانهيار، ولكن لن نندثر ولن ننهار، ولا أعتقد أن طريق القدس لن تمر بدمشق، لذلك أقول لأخي جورج: تعال معي فأنا ذاهب إلى اليونان، ومن هناك إلى أرض الله الواسعة. لكن جورج رد: إن القرار هو للمكتب السياسي، وإن المكتب قرر الذهاب إلى دمشق. فقال عرفات: حسنًا، إذًا جئتكم مودعًا، وسنلتقي حتمًا.

لقد نجح حافظ الأسد بتدمير منظمة التحرير في لبنان، كما نجح بشرذمة قواها، واستخدم بعض فصائلها لعملياته الإرهابية القذرة، لتصفية خصومه ولمساومة الغرب وابتزازه.

وكما أننا لا ننسى الدور التحريضي الذي قام به (حزب الله) تكملةً لدور حافظ الأسد، ضد الرئيس الشهيد، وأوضحها تسجيل لحسن نصر الله يحرض الشرطة الفلسطينية على اغتيال عرفات، رحل عرفات عن لبنان، وحل مكانه وكيل الولي الفقيه حسن نصر الله.

رحم الله الرئيسَ الشهيد، فقد كان صفحة مضيئة في تاريخ القضية الفلسطينية، وكان قائدًا ثوريًا حقيقيًا، حتى آخر لحظة في حياته.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق