هموم ثقافية

الفن للفن

 

ثمة سؤال قد يبدو ساذجًا، لكن الإجابة عليه ضرورية: ما الفرقُ بين الفن العقائدي التبشيري، والفن الحقيقي؟ والجواب يمكن تلخيصه في أن العقائدي يدعو إلى، ويبشر بـ، ويناضل من أجل فكرة أو قيمة واحدة، تهم طبقة أو جماعة محددة من الناس؛ وهذا –وحده- كفيل أن يقيد ويحد من أفقه، ويجعل سقفه منخفضًا، بينما يكافح الفن الحقيقي من أجل القيم الإنسانية العليا التي تهم البشر جميعًا، في المجتمع الإنساني الواحد والوطن الواحد. هذا من حيث المضمون، أما من حيث الشكل، فالفن العقائدي غير معني بالشكل، وإن فعل، فسوف ينزلق الشكل معه ليصبح عقائديًا بدوره، لأن المضمون هو هدفه الأساس.

لا شك أن الدفاع عن القيم الروحية السامية للبشر هو هدف الإبداع الأول وغايته، وأول هذه القيم هي حرية التعبير. والحرية هنا مهمة لـ (المتلقي)، كما لـ (المبدع)، ولا يمكن أن يتم ذلك عن طريق الشعارات الطنّانة والدعاية الرخيصة ومسح الأدمغة والتلقين، بل عن طريق الحوار والإقناع والإدراك العقلي والحس الجمالي الرفيع. فـ (المتلقي) ليس تلميذًا، بل هو الركن الآخر، أو الشريك الأزلي الذي لا تكتمل عملية الإبداع إلا بوجوده.

هذا لا يعني الحكم بالإعدام، أو إنكار الرسالة التربوية والأخلاقية للفنون، وتنوع أشكالها ومضامينها وأساليبها المختلفة. لكن فكرة “المضمون” المقدس، والشكل التابع له -وهي فكرة الواقعية العقائدية- شكلت خطرًا كبيرًا على الإبداع. فالمسرح -مثلًا- هو في نهاية المطاف سينوغرافيا وتشكيل وظلال وإضاءة ومصاير وأرواح تتحرك على الخشبة، والوظيفة الأساس فيه هي: الحوار والتأمل والقدرة على الإقناع، وبناء الشخصية، وسبر أعماق النفس البشرية، والارتقاء بها.. وليس غريبًا أن يهرب بعض المبدعين من هذا التحدي (الفن الحقيقي)، إلى الشعارات (السهلة والمبتذلة)، ونحن لا نجد لدى الكتاب المسرحيين العرب (إلا ما ندر) شخصيةً واحدة حقيقية، تخوض صراعًا حقيقيًا، شخصية بشرية مصنوعة من لحم ودم وعواطف وظروف ذاتية وعامة محيطة بها! بل هي شخصيات مجردة (أفكار) تمشي على قدمين! ومع ذلك، راح هؤلاء الكتاب (الثوريون) يقيمون الدنيا ولا يقعدونها، ضد مدرسة الفن للفن (الذاتية، البورجوازية) ويحتجون على ذلك، بمقولة “الفن من أجل القضية”! علمًا أن مدرسة “الفن للفن” هذه، أقدم من البورجوازية بآلاف السنين، وقد مارسها الإنسان البدائي عندما رسم الحيوانات على جدران الكهوف، قبل الحضارة واللغة والعقائد، ورقص حول النار، وغنى قبل الآلة والنوتة الموسيقية! فهل يعرف أحد منا لماذا رسم، ومن أجل أي مقولة أو (قضية) رقص الإنسان وغنى!

سيهبّ أحدهم منتفضًا، ليقول لي غاضبًا: إنها دعوة صريحة لمدرسة “الفن للفن”! نعم، هي كذلك. ولمَ لا! وهل نحن قادرون –بدءًا- على تأسيس مدرسة للفن! هل نملك القدرة على إنتاج فن من أجل الفن!

بعد مشاهدة أحد العروض في مهرجان “الطبقة” المسرحي، جلس مخرج العرض خلف الميكروفون، مدافعًا عن عرضه التبشيري البائس، ومن جملة ما تبجح به، ردًا على الانتقادات الموجهة للعرض: “لكل شيخ طريقة”! قلت: هذا صحيح، لكن عليه -أولًا- أن يكون شيخًا، حتى يكون له طريقة! ألا يجب على الشاعر أن يتقن كتابة الشعر، قبل أن يقدم شعره للناس! أعطني شاعرًا -في البدء- ثم نتحدث بعد ذلك عن الشعر ومعانيه وعناصره ووظيفته.

السؤال الآن: ماذا لو كان الشكل مدهشًا، لكنه يخلو من المعنى؟ والجواب: هذه هي الشكلانية الجوفاء التي لا تنتمي إلى الفن، فلا وجود لشكل -مهما كان جميلًا- يمكن أن يعيش بمعزل عن المعنى والقيم الإنسانية. ومن هذا المنطلق؛ لا نستطيع أن نُخرج لوحة الجوكندا لـ “ليوناردو دافنشي”، من دائرة الفن العظيم، ولا نستطيع أن نعتبر قصيدة جبران: “أعطني الناي وغني”، قصيدة شكلانية! مع أنها اعتبرت نموذجًا للفن من أجل الفن! فهي تحمل في داخلها معاني وأسئلة وجودية عميقة. وهي تختلف -في الجوهر- عن قصائد عصر الانحطاط التي اعتمدت على اللعب بالألفاظ والحذلقة اللغوية الظريفة، مثل قصيدة المصري إسماعيل صبري باشا: “طرقت الباب حتى كل متني/ ولما كل متني كلمتني”. أو القصيدة المنسوبة إلى يزيد بن معاوية: “واستمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت وردًا.. وعضت على العناب بالبرد”، فهي وإن كانت صورة جميلة، تصف امرأة تتساقط الدموع من عينيها على خديها، وتعض بأسنانها على شفتيها، فهي لا تحمل بعد ذلك أي معنى ذي قيمة. وهذا ما يؤكد العلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون، في أي عمل إبداعي، وفي المقدمة منها، الأعمال التي تنتمي إلى مدرسة الفن للفن.

مقالات ذات صلة

إغلاق