تحقيقات وتقارير سياسية

انقلاب “التفحيح” وبعض من أسراره

 

في الثالث عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، قام الطاغية حافظ الأسد بانقلاب عسكري على أعلى مؤسسة في حزب البعث (المؤتمر القومي)، ودشّن رسميًا في 16 من الشهر ذاته، ارتباطًا بإعلان البيان الرسمي، وصار يُحتفل به، كل عام، باسم “الحركة التصحيحية”.

أسئلة كثيرة تدحرجت وتزاحمت على امتداد العقود، حول طبيعة ذلك الانقلاب وخلفياته، وأسباب نجاحه واستقراره، وموقعه من العسكرة، والطائفية، وتخريب المجتمع، وتحويل الدولة إلى ملكية خاصة، وموقع البعث المقهور والمغدور، والذي ما زالت راياته المهترئة مرفوعة، وما زال الكثير ينهش بالبعث، ويطلق الأحكام الشاملة، انطلاقًا مما مارسه النظام وشوّه كل القيم والمبادئ، وتاريخ المناضلين والوطنيين الحقيقيين، وتضحياتهم لجعل الأهداف في مرمى التحقيق، أو لخلفيات معروفة.

ثمة أسئلة ثقيلة، حول شخصية الطاغية الأكبر، تصل عند البعض إلى اتهامات بالعمالة مع جهات خارجية، وخيانة القضايا الوطنية والقومية التي رفع راياتها البعث، ونجح الأسد وانقلابه في جعلها ممسحة لقذاراته، ومداسًا لسياساته.

في وصية عبد الكريم الجندي، رئيس مكتب الأمن القومي، الذي انتحر (أو قُتل)، مطلع آذار/ مارس 1969، إشارات واضحة إلى فعل الخيانة والعمالة في مقطعين: في الأول يقول: “إيماني بالثورة منعني من فضح الارتباطات وأعمال الخيانة والتجسس”. وفي المقطع الثاني، ويفصح فيه باسم حافظ الأسد، يقول: “حافظ الأسد مغرور، مرتبط، مشبوه، ينفذ بدقة مخططات الأعداء من كل الأصناف”، وأضاف: “إنه سيدمر نفسه ويدمر الحزب والبلد”.

كثيرون تناولوا الطاغية من باب الارتباط بالخارج، وبعض الضباط الذين كانوا معه في وفد إلى بريطانيا، واتهموه باللقاء مع مسؤول المخابرات البريطانية، حيث غاب عن الوفد يومًا أو أكثر، ورفعوا بذلك مذكرة إلى فرع الحزب العسكري في حمص، ووصل إلى القيادة القومية ولم يحقق بما جاء فيه، بينما قام هؤلاء، وغيرهم ممن كان يقيم في العراق، بإصدار كتاب بعنوان (بائع الجولان)، ارتكزوا فيه على تلك الحادثة، وبنوا عليها “حكمهم”، باعتباره خائنًا، وبائعًا للجولان، بشكل متفق عليه مع الإسرائيليين.

لنضع جانبًا قصص الاتهام بالعمالة والارتباط التي تحتاج إلى وثائق لا نملكها، ولنناقش الدور الذي قام به على مدار حكمه، وما فعله في سورية والمنطقة، حيث إن الأمور بنتائجها، والسياسة تقيّم بوقائعها. لقد كان الأسد تملّكيًا للسلطة حتى الإدمان، يعتبرها هدفًا بذاته، لذلك أبدى قدرة فائقة على المقايضة بكل القضايا، مقابل البقاء وتأمين استمرار نظامه.

هناك رأيان، حول نيّات الأسد: أحدهما يقول إنه كان يعدّ نفسه للحكم مذ كان ضابطًا صغيرًا، ولتحقيق غرضه كان يخفي حقيقة مواقفه، ويتلطى خلف الآخرين، ويتمظهر بالمسكنة والمحدودية التي تصل إلى حد الغباء (كما كان يصفه أغلب من عاش معه من القيادة) بينما كان مشاركًا -بطريقةٍ ما- في جميع المحاولات الانقلابية، حتى إذا ما نجحت؛ كان منها، وإن فشلت؛ أعلن تبرئته، بل استعداده لسحقها، كحالة، أو محاولة الرائد سليم حاطوم، وظهوره كمتردد في حركة 23 شباط/ فبراير، وعازفٍ عن تسلّم وزارة الدفاع، فخرج القرار بتكليفه بشكل مؤقت، إلى جانب بقائه قائدًا لسلاح الطيران والدفاع الجوي.

الرأي الثاني يربط “تحوّل” الأسد، حين عقد الاجتماع المشترك (القيادة القومية والقيادة القطرية) وهو أعلى سلطة تنفيذية، بين مؤتمرين، بعد هزيمة حزيران/ يونيو، طرح فيه تغيير القيادة العسكرية، أي وزير الدفاع ورئيس الأركان، وسقط الاقتراح على صوتٍ طالما جرى الكلام واللغط فيه، ليس حول من كان صوته مرجّحًا لذلك القرار وحسب، بل بالأساس لعدم تحضير إنجاح القرار، كما جرت العادة في مثل هذا الوضع، وما هو أقل أهمية منه، وأن الأسد اعتبر أن الاقتراح محاولة لتقديمه كبش فداء الهزيمة التي يقول إنه لم يتحملها وحده، فبدأ منذ ذلك التاريخ يجمّع حوله الضباط المتخاذلين الذين كان يجب محاسبتهم، وبعض المرتشين، أو “المغضوب” عليهم من القيادة، أو المهمّشين، وقد برز هذا التكتل العسكري صارخًا، في المؤتمر القطري الرابع (أيلول/ سبتمبر 1968)، ثم توسّع سريعًا، ليصبح قوة ضاربة يتحكم بمفاصل السلطة، ويتجاوز قرارات القيادة في صلاحيات نقل الضباط وتجميع المؤيدين حوله.

كان السؤال الذي ما يزال بعض من عاشوا تلك المرحلة يطرحونه، حول سرّ عدم تصفية هذا التكتل، والأسد بشكل خاص منذ الفترة الأولى، ولماذا تُرك له المجال للتمدد خلافًا لمعهود التصرف مع حالات مماثلة وأقل خطرًا على الحكم؟

لماذا فشل ما يعرف بـ “قرار المواجهة”، وأسرار انتحار أو مقتل العقيد عبد الكريم الجندي، في عزّ ما يعرف بـ “المواجهة”، ثم المصالحة التي تكرّست في المؤتمر القطري الرابع الاستثنائي، أوائل عام 1969، والذي كانت قراراته لصالح وجهة النظر التي تقدّم بها الأسد، خلافًا لقرارات القيادة وتوجهاتها في مجالات “وحدة الحزب” وتنويع مصادر السلاح، والعلاقة مع الدول العربية، والتضامن العربي.. إلخ، واستفحال قوة الأسد درجة ترسيخ ما يعرف بمرحلة الازدواجية.

ثم عُقد المؤتمر القومي العاشر الاستثنائي الذي اتخذ قرارًا بفصل كلٍّ من حافظ الأسد ومصطفى طلاس، من دون أن يكون هناك أي إمكانية لتنفيذ القرار، وقيام الأسد في يوم انتهاء أعمال المؤتمر بانقلابه المعدّ، واعتقال عدد من أعضاء القيادة، ودون أن تُطلق رصاصة واحدة، ضده؟

الأسئلة كثيرة حول تفسير ذلك الانعقاد وخلفياته، وحول نجاح الأسد في انقلابه، وديمومة بقائه، بما في ذلك لجوء كثير من البعثيين وغيرهم إلى التفسيرات الطائفية التي كانت سببًا رئيسًا في ما جرى، بمعنى وجود حالة طائفية منظمة، كانت تخطط وتقود، وتهيئ أجواء تموضعات طائفية، تحوّلت إلى ثقل مفصلي في الجيش، وقدرات الأسد الخاصة على شراء الولاءات، عبر وجود ميزانية الدفاع تحت تصرفه دون حسيب أو رقيب.

الكثيرون الذين توقعوا أن نظام “التفحيح” لن يدوم طويلًا، نتيجة تقييمهم لشخصية الأسد وقدراته المحدودة، حسب وجهة نظرهم، ومنظورهم للتسوية مع (إسرائيل) التي اعتقدوا أنها قريبة، وستكون نهايته بصفته خائنًا للوطن وفلسطين، خيّب أملهم بعملية بسيطة، حين أغلق جميع الاحتمالات والطرق على انقلاب مضاد، من خلال إبعاد جميع الضباط الذين يشتبه بولائهم، خاصة المحسوبون على اللواء صلاح جديد، ووضع سرايا الدفاع والوحدات الخاصة، والقطعات التي يقودها ضباط مقرّبون، وبالتالي تأمين عوامل الاستقرار، خصوصًا إذا ما عرفنا أن الأسد، بتركيبه العسكري وشخصيته، لا يؤمن بدور الشعب وأهميته، ولا بالحزب الذي استخدم ووظف راياته وتراثه، فجوّفه وحوله إلى جهاز للتبويق والفساد وكتابة التقارير.

سورية اليوم نتاج ذلك النظام الذي حوّل الدولة إلى ملحق، وفرض التوريث بتلك الطريقة الغرائبية الخطيرة، وتصح هنا كلمات العقيد عبد الكريم الجندي عن أن شخصية الأسد ستدمر الحزب والبلد.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق