أدب وفنون

للكتابة عندي طقوس وأقلام رخيصة الثمن

 

 

قررت الكتابة أخيرًا

أذكر ذلك اليوم الذي مزقت فيه دفاتري، أمام الجنود، وأقسمت باكيًا إني لن أعود. لن أرتكب الخطايا مرةً أخرى، لن أكتب عن الغروب ومرافئ الحنين، وعن عتمة الزنزانات وعفونة الأرصفة.. لن أنال من هيبة أصحاب السنديان وغابات البلوط.. ولن أداعب بحروفي قطة صغيرة، مرت على عجل أمام رصيف مفرداتي.

سأكذب الآن، كما كذبت على نفسي قبل أن أفقد جزءًا مني في ربيع 2014، حين كبلتني القيود، وأرادت لي أن أسطر على الهامش قصيدة لأمير المؤمنين.. وأن أمسح من دفاتري كل القصائد التي كتبتها عن أغصان الزيتون وبياض الياسمين.

هناك جمهور من العصافير ينتظرني.. وجمهور يريد توقيعي على الجثة الملقاة أسفل الطريق الترابي المفضي إلى الحياة. وهناك عاشقةٌ تكبِّلُ خصرها بالحنين.. تنتظر مني كتابي الأول، ليكون هدية لحبيبها الذي ضل الطريق وعانق الأفق، من خلال رصاصة طائشة، في إحدى أفراح القرية المجاورة. وهناك صديقي الذي ما زال ينتظر مني الكتابة، لكي يبدأ هو الآخر بمزاولة مهنة الجنون التي يمتهنها بطريقته المعهودة المعنونة دائمًا بـ (كشتبانات)، وهناك والدتي التي تخشى عليَّ من الكتابة، تخشى من قنبلة موقوتة بين المفردات! يا أمي: كل الحروف قنابل موقوتة، ونحن بارودها!

أتذكر عبارة لأحدهم: “الكتابة إن لم تقتل ليست كتابة، اكتبْ لتجرح… اكتب لتقتل… اكتب لتترك أثرًا ما خلفك.. أو دعك من الكتابة، وابدأ بشيء آخر، كالرقص مثلًا”. ليتني تذكرت هذه العبارة من قبل، لكنت قتلت كل من كتبت عنهم.

صديقتي الأولى التي هاجرَت بحثًا عن المال إلى (دول الخليج)، وتركت خلفها جرحًا لا يمكن نسيانه، مُدرّسُ مادة (التربية القومية) الذي طالما كتبتُ عنه وعن خزعبلات “حزب البعث” والاشتراكية المزعومة. بائع أشرطة الـ CD في حارتنا، الألم الذي يخلفه الغروب كل يوم. جاري الذي وشى بي لأبي، عندما احتسيت (البيرة) للمرة الأولى. الطاغية الذي يجلس في أنفسنا، ويمارس طقوس العبودية على مشاعرنا، والطاغية الأكبر.. (ذنب الكلب) الذي يجلس في قصر (حي المهاجرين).. لو كنت أعلم أن للكتابة بارودًا؛ لكنت قتلت كل من سبق ذكره، لكن قدري اختار لي أن أسمع صديقي، بعد أن توقفت تمامًا عن الكتابة.. توقفت عن ممارسة الحب مع المفردات.. مع الصفحات البيضاء.. ومع أقلام الـ (بيك) الرخيصة التي كنت اشتريها بكثرة. هنا، في منفاي هذا، بحثت كثيرًا عن قلم (بيك)، بحثت كثيرًا.. عن دفتر رخيص، لكني لم أجد سوى الأقلام الغالية والماركات العالمية.. بحثت كثيرًا عن مقهًى أجلس فيه لأمارس عادتي القديمة (قضم رؤوس الأقلام)، حين تستعصي عليَّ الحروف، لكن أغلب المقاهي هنا تكره العنف ضد الأقلام، وتمنعك من تدخين سيجارة، بعد كل وجبة (قضم قلم).. في منفاي هذا، لا يمكن أن تكتب دون أن يكون للحرب حيّزٌ كبير بين الحروف. في قصيدة غزل –مثلًا- تأتي الحرب لا شعوريًا، بعد كلمة شوق ومرادفاتها.

في مقال اجتماعي يحجز البارود القسم الأكبر من العرض، وقليلًا من الخاتمة. في قصة قصيرة وقصيرة جدًا.. يكون الموت هو المغزى الحقيقي للقصة.. في موضوع تاريخي، يكون الوطن (مقدمة وعرضًا وخاتمة).

في المرحلة الإعدادية، كنت أحسنَ من يكتب المواضيع الإنشائية، حتى إن أحد أساتذتي قال لي: “أنت مشروع كاتب، لديك مستقبل في الرواية والشعر، اعتنِ بنفسك”.

نعم، أستاذي، أنا لاجئ الآن، وأعمل في ورش البناء، ولا أجني الكثير من المال، سأعتني بنفسي أكثر، سأبدأ بإصلاح الصدأ الذي خلفته القيود على معصمي، وسأنزع القناع الأخير الذي ارتديته ذات مساء، وأنا في طريقي إلى المسجد القريب من منزلي الذي هجرته، ولم أكمل بعد عامي الأول فيه. سأعتني بنفسي أكثر، سأبدأ بالبحث عن (قلمي ودفتري)، في الخندق الفاصل بين وطني ومنفاي، حين أجبرتُ على التخلي عن حقيبتي، أثناء هروبي من الموت السريع إلى الموت الأقل سرعة.

الموت بلا وطن، أصعب عليَّ من النظر إلى الحرائق في وطني، لأكتفي عند المساء بعبارة في يومياتي على (فيسبوك): “اللهم احفظ بلدي من الحرائق وأعواد الكبريت”، أو أكتفي فقط، بالضغط على زر الإعجاب، أسفل خبرٍ يتحدث عن مجزرةٍ في سورية، راح ضحيتها أكثر من 70 مدنيًا، كان للأطفال فيها العدد الأكبر، حيث تجاوز الأربعين طفلًا.

نعم، أستاذي، سأعتني بنفسي، وأبحث عن عملٍ لا أكون فيه مجرمًا بنظر صاحب العمل، أو منبوذًا من المجتمع الذي أعيش معه. وسأعود إلى الكتابة، حين أجد قلمًا لا يخشى على الورقة من خدش حيائها، ولا يسرد كثيرًا في التفاصيل الصغيرة، ويقدم نفسه وجبةً لي بعد كل خطيئةٍ منه.

سأحاولَ البحث عن ذلك الشخص الذي قال لي، منذ أعوام: “اكتب، حين تشعر بأنك إنسان”، سأخبره أني أبحث عن إنسانيتي هنا في منفاي، وما زلت. سأكتبُ لكيلا أخدشَ موهبة صديقي و(كشتباناته)، صديقي الذي ما زال ينتظرني منذ خريفين وشتاء. سأكتب لأثبت لنفسي أنِّي انتصرتُ على هزائمي المتكررة.

سأكتبُ لحبيبتي رسالة اعتذار، سأطلب منها أن تسامحني، لأني لم أفِ بوعدي لها، حين اتفقنا -ذات قصيدة- على أن يكون لنا منزلٌ من خمس غرف وصالون كبير، وحديقة خلفية. سأعتذر لها بقصيدة غزل، لأني لم أعطها سوى منزل من غرفتين، إحداهما للمعيشة والأخرى لا تصلح لشيء، أيّ شيء.

سأكتبُ لعلَّها أن تعذرني.. لعلَّها تؤمن بأني ما زلت مؤمنًا بوجود فرصةٍ في الحياة. سأكتبُ للهواء الذي يأتي من الجنوب حاملًا معه ذكريات الطفولة وأحلام الشباب.. سأكتبُ للخريف الذي يمرُّ بي، وكأني مجرد ورقةٍ عاديةٍ مرميةٍ أسفل جذع السنديان.. سأكتبُ للروح العطشى للحياة.. سأكتبُ، وكلِّي أملٌ بولادة الأمل ذات فجر، ولا شيء آخر.

مقالات ذات صلة

إغلاق