تحقيقات وتقارير سياسية

السعودية وتفجير الصاعق في لبنان

 

شكلت الاستقالة المفاجأة والمقلقة لسعد الحريري فالقًا سياسيًا بين عهدين: عهد دشنته الأريحية الحريرية التي قدمت من نفسها، وسهلت بدورها تمديد فترة المساكنة والمسايرة، ومداواة الحاضر بالحاضر، في تركيبة السلطة السياسة اللبنانية، بكل ما تنطوي عليه تلك التسوية من غبن وتسكين أوجاع، لا ترقى إلى درجة المعالجة الواقعية، والتي لا يمكن لها أن تتم مع التسليم للقوة المسلحة المستقوية على الدولة والمتجاوزة لها، ولا سيما بعد انتقالها إلى مرحلة تسيير الدولة بالقوة أو تخييرها، بالسير في ظلّ هذه الهيمنة، والتظاهر بأنّ كل شيء يسير سيرًا طبيعيًا، علمًا أن الجميع مواطنين ومسؤولين يدركون بدقة أن الإمكانية والخيار هو بين التعطيل أو التفجير، ليبدأ عهد القطيعة والحسم، مع هذه التسويات المنقوصة التي ثبت بالدليل القاطع أن الطرف المقابل راح يستثمرها حتى النهاية، في تعزيز نفوذه وبسط كامل هيمنته على جهاز الدولة، بدءًا من رئيسها الجنرال الذي لم تستطع فلسفته التبريرية، أن تغطي على شهوة الترؤس المعندة عنده، حتى في ظلّ هيمنة سلاح “حزب الله”، وتمرير مقولة (جيش وشعب ومقاومة) البائتة، وقد أخذت هذه الاستقالة جميع الأطراف الإقليمية والدولية، باتجاه القلق من التفجير، سواء جاء ذلك ضرورة سعودية، لفك الحصار والتأزيم الذي أحيطت به من غريمها الإيراني مباشرة، أم بالتقاطع بين الوضعين اللبناني والسعودي والوضع العام في المنطقة.

الواضح أنّ هذا التفجير قد جاء في ظرف سعودي حرج ومتأزم، سواء في معركتها الداخلية، لاستخلاص السلطة والثروة والإعلام لتسخيرها، لما يطمح إليه ولي العهد محمد بن سلمان من برنامج إصلاح، لن يمرّ إلا عبر إزاحة رموز مالية وحواضن سلطوية تقليدية، وصفت بالفاسدة، بعد أن اعتادت أن تعيش على هوامش العائلة المالكة سياسيًا، بينما تحصر نشاطها، في محور الإعلام والاستثمارات الكبرى، الرؤوس ذاتها المتشعبة في كل اتجاه، إضافة إلى ضغوط وتحديات استراتيجية وأمنية من جبهة يمنية ضاغطة، باتت تتطلب حلولًا تُخرجها من المراوحة في مكانها، بل مما انتقلت إليه مؤخرًا من تهديد العاصمة الرياض والموانئ البحرية، بصواريخ استراتيجية، كما أخذت تهدد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، بما يعني دور المملكة التي اعتادت أن تكون صمام أمان لمنطقة الخليج، ونقطة توازن استراتيجي وعسكري مع القوة الإيرانية ومخاطرها المتعاظمة، وقد باتت هذه المسؤولية أكثر إلحاحًا، بعد أن نفخ ترامب بأداورها المعلنة، وبعزمه على تقليص نفوذ إيران بالتعاون مع السعودية، وبما يتجاوب مع الرغبة الخليجية والإسرائيلية، العاملة بإلحاح لتحقيق اختراق جيوستراتيجي، يسلكها كقوة رئيسية في محور المتضررين من سياسة إيران في المنطقة، ولتكون من العاملين النشطين على تقليص نفوذها والتصدي لها، باعتبار أن هذا يؤمن لها، إضافة إلى ذلك الهدف الاستراتيجي، هدفًا سياسيًا، يمكّنها من القفز على مشروع حلّ الدوليتين للقضية الفلسطينية والدفع به بعيدًا، عبر استغلال ارتباك مواقف ترامب وقلق سلطته المهددة بالسقوط، أمام تكشف فضائح علاقات المحيطين بحملته الانتخابية مع الروس وغيرها!

ما يعزز ويدفع بهذه التوجهات التي فجرتها السعودية، عبر استقالة رجلها الحريري، سواء أكان بالضغط المباشر أم بالتوافق والتراضي، هو المناخ السياسي اللبناني الذي تأزم، بعد معركة “الجرود” مع الجهاديين، وتجاوز “حزب الله” على رأس السلطة اللبنانية وعلى دور الجيش، واختطافه الكامل لعلاقات التسوية الملتبسة مع تلك الفصائل الجهادية، ومن ثمّ خرج مغردًا  بانتصارات، استخلصها لذاته ولتأكيد دوره، مستقويًا بمظلة من الصلف والوقاحة الإيرانية التي راحت تعلن أنّ لبنان، والعواصم الأربعة في المنطقة، لا تستطيع أن تقرر شيئًا من دون موافقتها، بعد أن دفعت بـ “حزب الله” وبميليشياتها الطائفية، ليدخل بقوة في تفاصيل الحرب السورية، متجاوزًا سياسة النأي بالنفس المقررة لبنانيًا؛ ما ساهم في استدراج الجهاديين وجيوش اللاجئين إلى لبنان، ليغدو وجودهما مشكلة مركبة، إنسانية وسياسية وعسكرية ودولية، على حين بدا أن الاصطفاف المذهبي لـ “حزب الله” ومحازبيه، لم يعد كافيًا لمواجهة هذه التحديات، وإيجاد حلول قانونية وإنسانية، تتوافق مع التشريعات الدولية، أو لا تتعارض معها مباشرة، في حدها الأدنى، فكيف وقد تراكبت المشكلة مع انقسامات سياسية ومذهبية، وصارت مجالًا لمشادّات ومنافسات، يصعب حلّها مع حكومة برأسين: رأس متوافق ورأس مخالف، وخلف كل منهما جسم مدني ذو التفاف مذهبي واسع، يقف على شفا الاحتراب!

لم يعد التعقل ولا الاتجاه التسووي مجديًا، بعد أن باتت التهدئة تسليمًا للقوة، يمسّ بالكرامة الشخصية لرئيس حكومةٍ، يمثل الثقل الشعبي الأكبر والأخطر، ومس بالكرامة الوطنية بالقبول بالتبعية والسكوت والتسليم للقوة العارية سكوتًا عن هيمنتها على الدولة وتسييرها لرئيسها، والأخطر من كلّ ذلك، أنّ الترتيب للانتخابات القادمة، سيمرر بما يتوافق مع هذه القوة المتحكمة بالقرار الوطني، أو سيكون التعطيل كما جرى في حالات سابقة، فماذا ينتظر اللبنانيون الحريصون على لبنان المحيّد عن الصراعات والحروب المحيطة، وقد زجّ “حزب الله” بقوة في كل التفاصيل السياسية، في المنطقة وفي لبنان، على حد سواء، ورهن لبنان والمنطقة لإمكانية عدوان إسرائيلي واسع، قد لا تقف نتائجه على لبنان، عند حدود حرب تموز 2006 بل تتجاوزه إلى تدمير بنية المجتمع والدولة معًا.

فجّرت السعودية الصاعق إذًا، قبل أن ينفجر فيها، وقد جاء هذا التفجير بالتوافق مع تهديدات ترامب و”إسرائيل” وكل القوى المتضررة من التمدد الإيراني، وبإشارات واضحة وحاسمة، أعلنت السعودية أنّ لبنان بعد استقالة الحريري لن يكون كما كان قبلها، فهل يعني هذا أن التفجير قد يبدأ من لبنان الحاضنة الأهم لولاية الفقيه خارج إيران، وهل ستستطيع إيران و”حزب الله”، بواسطة هذا التبريد، امتصاص الفورة السعودية والدولية، لتعود إيران إلى استقوائها بغياب خطة أميركية واضحة، وباضطراب مكانة ترامب وتباين آراء المتنفذين الأميركيين، سواء بالكونغرس أو بمديرية الأمن القومي أو وزارة الخارجية؛ بما يضمن لها استمرار تمددها والاستفادة من التراخي والفوضى في منطقة الجزيرة السورية، لمواصلة مشروعها في الوصول إلى المتوسط، باعتباره مشروعًا، وإن بات ضعيفًا فإنه لم يسقط تمامًا، وهي تأمل وتعمل لإيجاد الأجواء والمناخات المواتية لتمريره، بالتوافق مع الروس والمقايضات مع تركيا والقوات الكردية!

أمام عون و”حزب الله” باتت المهمة صعبة، إذ ليس من السهل تعديل عرج السلطة والمجيء برئيس وزراء بديل عن الحريري، بعد هذا الاستقطاب الشديد، ولا بدّ من حلّ يعيد لمؤسسات الدولة استقلالها، وتقييد “حزب الله” لينخرط باللعبة السياسية، وإلا؛ فإنّ اللعب القادم لن يكون لإصبع نصر الله فيه سوى تحريك الهواء!

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق