تحقيقات وتقارير سياسية

مصير البوكمال رهن التفاهمات الأميركية الروسية

 

أكدت مصادر ميدانية لـ (جيرون) أن قوات النظام السوري وميليشيات طهران لم تدخل حتى اللحظة إلى مدينة البوكمال، ولا تزال تبعد عنها 30 كم على الأقل، وأضافت أن الأولى “حققت بعض التقدم في البادية الجنوبية للمدينة، في حين تقدمت ميليشيات الحشد، من منطقة القائم العراقية، بعمق 3 كم داخل الحدود السورية”، وأوضحت أن “مصير المدينة يخضع للتفاهمات الأميركية الروسية الخاصة بترتيبات تقاسم النفوذ في منطقة شرق وشمال شرق سورية الممتدة على جانبي نهر الفرات”.

تزامنت هذه المعلومات مع ادعاءات الإعلام الموالي للنظام السوري وطهران، بأنهم سيطروا على مدينة البوكمال على الحدود العراقية، وهي آخر معاقل تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) الرئيسة في سورية، معتبرة أن ذلك نصرًا كبيرًا ستتبعه عمليات عسكرية تصل إلى مدينتي الرقة وإدلب.

قال عمر الدمشقي، مدير وكالة بردى، لـ (جيرون): “كل ما تدعيه وسائل الإعلام الموالية للنظام وإيران عار عن الصحة، حتى اللحظة، ما تزال مدينة البوكمال خاضعة لسيطرة (داعش)، والتقدم الذي أحرزته قوات النظام، خلال اليومين الماضيين، كان في البادية الجنوبية للمدينة، ومن جهة منطقة القائم العراقية بحدود 3 كم فقط”.

يرى الدمشقي أن “من المبكر الحديث عن سيطرة الميليشيات الإيرانية على البوكمال، وانتصار مشروع طهران في سورية؛ لأن ذلك يعني ربط بغداد بدمشق، وتعزيز النفوذ الإيراني في دمشق خاصةً وسورية عمومًا، فهل ستسمح القوى الكبرى، ولا سيما واشنطن، بذلك؟ أعتقد أن من المبكر الجزم بذلك”.

شدد الدمشقي على أن “فشل فصائل المعارضة المسلحة، في كسر المشروع الإيراني، هو توصيف غير دقيق.. ستشهد المرحلة القادمة معارك، بين تلك الفصائل وميليشيات النظام وإيران، للسيطرة على إرث (داعش)، إن صح التعبير، انطلاقًا من قاعدة (التنف) التي تتمركز فيها تشكيلات الجيش الحر، بعد أن أجبرتها الضغوط الهائلة على الانسحاب من معظم مناطق البادية إلى تلك القاعدة، ويدعم هذا التوجه أن (الجيش الحر) تقدّم مؤخرًا، باتجاه منطقة (الزكف) وبادية البوكمال الجنوبية؛ ما يعني أن المواجهة حتمية بين الطرفين”.

من جهة ثانية، قال الطيار المنشق عبد الهادي ساري، في حديث مع (جيرون): إن قوات النظام “ما تزال تبعد عن البوكمال مسافة 30 كم على الأقل، وهي متواجدة في منطقتين الأولى عشارة، والثانية محور تيتو/ حميمه جنوبًا، وأعتقد أن مصير البوكمال ستحدده التفاهمات الأميركية الروسية، والأرجح أن واشنطن لن تسمح لميليشيات طهران والأسد، بإحكام سيطرتها على المدينة”.

أضاف ساري موضحًا: “في 24 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، حصل اجتماع بين الأميركيين وقيادات فصائل المعارضة في المنطقة، داخل قاعدة التنف، ومُنحت الفصائل خلاله ضوءًا أخضر لشن هجوم واسع؛ بهدف السيطرة على مدينة البوكمال إلا أنه حتى اللحظة لا توجد معلومات عن توقيته”، وعقّب قائلًا: إن “المعادلات المرتبطة شديدة التعقيد؛ لأنها تعتبر عقدة مهمة جدًا، تربط بين سورية والعراق والأردن، وما يزيد من تعقيداتها أن (قسد)، المتمركزة في حقل (كونيكو) على بعد 30 كم، تطمح أيضًا إلى السيطرة على المدينة”.

تصاعُد الصراع حول البوكمال طرح مجددًا الأسئلة المتعلقة بالدور الأميركي في سورية، وعن أسباب سماح واشنطن بتمدد الميليشيات الإيرانية في سورية، على الرغم من تصريحاتها عن وضع حد لنفوذ طهران في المنطقة.

في هذا السياق، قال ساري: “ليس هناك محددات واضحة للسياسة الأميركية في سورية، وأعتقد أن الناظم الرئيس لسياسة واشنطن حاليًا هو إطالة أمد الصراع وإدارته؛ بما يسهم في تفتيت سورية وإنهاء مفهوم الدولة السورية جيوسياسيًا، وهو ما يمكن ملاحظته، من خلال دعمها لميليشيات (قسد) الانفصالية في الشمال، وكذلك التكتيكات الأميركية، فيما يخص الوجود الإيراني في سورية، وفي النهاية، واشنطن هي التي دعمت ميليشيات (الحشد) للوصول إلى منطقة القائم العراقية، وفي الوقت ذاته، تدّعي معارضة وجود طهران في سورية؛ كل ذلك مؤشرات على أن أميركا ترغب في توليد صراعات متواصلة، تجعل المنطقة غير مستقرة، لتعيد ترتيبها من جديد”.

لم يذهب الدمشقي بعيدًا عما أكده ساري، وأضاف: “على الأرجح الأميركيون سمحوا للنظام وميليشيات إيران بالتقدم نحو البوكمال؛ من أجل استنزافهم أكثر وإغراقهم في وحل (داعش)، وأعتقد أن الأخير سيشن هجومًا معاكسًا على كافة النقاط التي سيطرت عليها الميليشيات مؤخرًا في محيط المدينة، والروس ليسوا بعيدين عن ذلك، والدليل أنهم وقفوا على الحياد خلال المعارك الأخيرة، ولم يدعموا قوات النظام أو ميليشيات الحشد جوًا”.

اللافت، في ما يتعلق بالتطورات الميدانية المرتبطة بمدينة البوكمال، ما توارد من معلومات تفيد أن مروحيات أميركية نفذت قبل يومين عمليات إنزال جوي داخل المدينة، وأخلت عددًا من قيادات (داعش) إلى وجهة غير معروفة، ما طرح تساؤلات عن جدية القوتين العظميين في محاربة الإرهاب داخل سورية، أم أنها مجرد ذريعة للاستثمار في الصراع السوري، لصالح حسابات استراتيجية في مناطق أخرى من العالم.

حول ذلك، يقول ساري: إن “هذه العمليات ليست مفاجئة وقد حدثت من قبل، وتأتي في سياق الخطط الأمنية للدول الكبرى الهادفة لاستثمار (داعش)، ومعرفة خططه واستراتيجياته، والاستفادة منها، وأعتقد أن عملية الإخلاء الأخيرة استهدفت قيادات من الصف الأول للتنظيم، وهم في الحقيقة عملاء في أجهزة الاستخبارات العالمية”.

مقالات ذات صلة

إغلاق