تحقيقات وتقارير سياسية

في مجلس الأمن: جرائم تُبرر الجريمة

 

لم تخرج جلسة مجلس الأمن المنعقدة في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 عن المتوقع، من حيث الموقف الروسي الرافض، بأي شكل، الإشارةَ إلى الطغمة الحاكمة في دمشق، كطرف مسؤول عن جريمة استخدام السلاح الكيميائي ضد المدنيين العُزل.

نائب رئيس البعثة الروسية الذي تحدّث في الجلسة يملك قدرًا كبيرًا من الوقاحة، جعله يُنكر بعض النقاط البديهية التي وردت في تقرير اللجنة المستقلة، فحين ورد في تقرير اللجنة أن العينات التي تم فحصها، من قبل مخابر مختصة مشهود لها بالكفاءة، قد أثبتت أن تركيبة الغاز الموجودة في العينات تُطابق بشكل تام تركيبة الغاز المُصادر في وقت سابق من طرف المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية، وأن السلاح المستخدم في قذف القنبلة الغازية هو سلاح الطيران حصرًا، وأن حجم الحفرة وشكلها لا يمكن أن يكون ناجمًا إلا عن قذيفة جوية؛ بعد كل هذه البديهيات حتى للمبتدئين في العلوم العسكرية، كانت إجابة ممثل روسيا، وبكل وقاحة، أن العينات ربما كانت قد أتت من دولة ثالثة. نعم قال ثالثة، ولم يقل ثانية، ربما لأنه يعتبر أن الصراع في سورية هو حرب بين دولتين. حتى لو افترضنا أن العينات قد تم جمعها من جزر القمر؛ فهذا لا يعفي الحكومة السورية من الجريمة، لسبب بسيط، هو أن تركيبة الغاز المستخدم تتطابق مع تركيبة المخزون الذي كانت تمتلكه الحكومة السورية، قبل تسليم قسم منه لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وهذا يعني، في أسوأ الأحوال، أن الحكومة السورية إن لم تكن هي من قصف العبوة الغازية فهي التي باعتها لمن قصفها، وهذه أيضًا جريمة بسبب التطابق التام بين العينات، ومن المعلوم أن هذا الغاز (السارين) يتم تركيبه من مواد كيميائية عدة، ويمكن التغيير بنسب تلك المواد زيادةً أو نقصانًا، ولذلك لا يمكن -في حال من الأحوال- أن يتشابه غاز السارين المنتج في روسيا، مع غاز السارين المنتج في سورية.

وفي نقطة ثانية، حيث أشار التقرير إلى أن الطائرة حاملة القذيفة قد انطلقت حصرًا من مطار الشعيرات، وقد حددت اللجنة المستقلة خطَّ سيرها، وساعة انطلاقها، وساعة تحليقها فوق خان شيخون، وقد تطابقت مع توقيت رمي القنبلة الصفراء، أما المندوب الروسي، فقد زعم كاذبًا أن الطائرة السورية كانت تطير على محور موازٍ لخان شيخون، وليس فوقها! وإذا أردنا تصديق الأكاذيب الروسية؛ وجب علينا الافتراض بوجود طائرة ثانية غير سورية، كانت موجودة بالصدفة في هذا التوقيت ذاته، بموازاة طائرة النظام التي كانت تُحلّق في محور مواز لخان شيخون، وهذه الفرضية ستقودنا إلى أن من قصف خان شيخون هو الطيران الروسي؛ لكون هذه المنطقة هي منطقة نفوذ وعمليات روسية، ولا يُحلّق في سمائها طيران حربي عدا الروسي والسوري، وذلك حسب خطوط قواعد الاشتباك المتفق عليها بين الجانبين الروسي والأميركي. ومن المعلوم أن سماء سورية مغطاة بالأقمار الصناعية الروسية والأميركية وغيرها، وهي تراقب الأحداث على مدار أربع وعشرين ساعة في اليوم.

من وقاحة المندوب الروسي أنه انتقد التقرير المستقل لأنه اتهم الجمهورية العربية السورية ولم يُحدد أسماء أو أشخاصًا، وكأنه يريد القول: كان بإمكان اللجنة تحديد عدد من الأسماء، وبالتالي سنُضحّي بهم، ولكننا لن نُضحّي بالنظام كاملًا.

على جانب آخر، لم يستطع مندوب مصر في الجلسة إلا أن يُدلي بدلوه، فغرّب في الحديث وشرّق، وتحدث عن الإرهاب والجماعات الإرهابية، وعن خطر السلاح الكيميائي؛ في حال وقع في يد الجماعات المتطرفة التي انتشرت في سورية انتشارًا غير مسبوق، وذلك في محاولة خجولة منه للتشكيك في أن مستخدم المقذوف الأصفر، ربما كان أحد الجماعات الإرهابية، وليس نظام الأسد الصديق لمصر الرسمية، وربما فات المندوب المصري أنّ الجماعات الإرهابية في سورية لم تمتلك سلاح الطيران بعد.

الموقف اللافت الآخر هو موقف مندوب كازاخستان الذي يُمثّل صوتًا ثانيًا، تمتلكه روسيا في مجلس الأمن، إذ طالب المندوب الكازاخي بمحاسبة الفاعلين، ولكنه شكّك في تقرير اللجنة المستقلة، أي أنه قال: عاقبوا مجرمًا مجهولًا.

في الموقف الروسي، لا يتوقع عاقل أن توافق روسيا في مجلس الأمن على أي قرار يدين النظام السوري؛ لسبب بسيط، هو أن روسيا تستمد شرعية وجودها في سورية من وجود هذا النظام، وبالتالي؛ فإن إدانة النظام تعني سقوطه وافتقاد روسيا شرعيةَ وجودها على الأرض السورية، وروسيا اليوم تقبض ثمن مواقفها هذه مزيدًا من الانبطاح، لحكومتي طهران ودمشق، ولا مكاسب تُذكر لها؛ في حال اتخذت موقفًا مغايرًا، ولهذا يُعدّ الموقف الروسي المدافع عن نظام الطغمة الحاكمة في دمشق جريمةً تُبرّر جرائم النظام، فحامي المجرم مجرم، وحماية الجريمة جريمة أشد.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق